العودة إلى الحدث
2015-09-23
إنزعاج ثلاثي في إسرائيل
إنزعاج ثلاثي
لم يتأخَّرْ الإسرائيليون في بدء الكشف عن حقيقة انزعاجهم من نزولِ قواتٍ عسكرية روسية على الساحل السوري.
فهذا النزول سياسي في الدرجة الأولى. وقد يصبح استراتيجيًا له مفاعيل تغييرية عميقة الأبعاد، وتُخالِف النظرة الإسرائيلية إلى الشرق الأوسط ودورها فيه.
مصدر الإنزعاج الأول هو أن ورقة الإرهاب الأصولي صارت جزءًا من ملف التفاوض الدولي على مستقبل المنطقة. أي إنها لم تعُدْ قابلة للصرف في لعبة الإعلام التخوُّفي الإسرائيلي على مصير إسرائيل الذي تُهدِّده هذه الأصولية. وبالتالي، جيد أن يبقى لتلك الأصولية موطئُ قدمٍ ثابت وراسخ في الجوار، يمدّ الفكر الصهيوني بذرائع تُؤكِّد صوابية رؤيته للإسلام والمسلمين، وتُبرِّر النهج العدائي الغيتوي الذي يُميِّزه.
الإنزعاج الثاني هو أن ورقة الأقليات لم تعُدْ قابلة للتحريك بحجة الخوف على هذه الأقليات- وبينها الأقلية اليهودية-، الأمر الذي يوجب عدم إسقاط التهيّؤ الدائم لقيامِ دويلاتٍ أقلوية على المحور الإسرائيلي، تدور في فلكه، وتُبرِّر أيضًا وجوده العنصري في المنطقة.
فهذه الورقة عائدة إلى حيِّز تأمين قيامِ دولٍ ديمقراطية مُستقِرّة، تطمئن مجتمعات المشرق التعدُّدية، وتُسهِّل مُشارَكة عناصرها في حكمها.
الإنزعاج الثالث، وهو الذي يبرز أولاً في المخاوف الإسرائيلية، يتمثّل في أن دخول روسيا المنطقة، سوف يمسّ "المدى الحيوي" الإسرائيلي فيها. وهو المدى الثابت والدائم التحريك فوق الساحل اللبناني والسوري وفي بحره وجوفه، كما في أجواء لبنان وسوريا، والذي لا يتورّع عن التمدُّد الآني عند إحساس إسرائيل بخطرٍ ما على أمنها ومصيرها، ليصل إلى العراق ويُهدِّد إيران.
يعني ذلك أن لا مدى حيويًا غدًا لدول المنطقة، ومنها إسرائيل، وأن مسألة عودة هذه الدول إلى أحجامها ستكون في صلب أيِّ تفاوضٍ على التسويات الإقليمية، التي ينبغي أن تهدف إلى إرساء قواعد الأمن والسلام والاستقرار في منطقةٍ طالت نزاعاتها وكاد يتأصّل العنف فيها.
بالأمس، رفض السيِّد وليد جنبلاط فكرة حياد لبنان، في هيئة الحوار الوطني.
الرفض هذا يُشكِّل مظهرًا من مظاهر "الأمداء الحيوية" في الفكر العروبي، وفي الفكر المزايد بعروبته تحديدًا، كما حال السيِّد جنبلاط.
وإذا كان الوضع سائرًا نحو ضبضبة "المدى الحيوي" الإسرائيلي، لا سيما أن المنطقة دخلت فعلاً عصرًا روسيًا- أميركيًا جديدًا، فإن الأمداء الأخرى فيها سائرة بدورها نحو الضبضبة.
هذا هو المفهوم المُرتجى للتغيير، خصوصًا في لبنان.
وهو يتطلّب من المُنظِّرين السياسيين، والمُترَفين في تنظيرهم، حط رحالهم والتيقُّن من أن الفرصة اللبنانية تجد اليوم أوانًا لتحقُّقها، من خلال ترسيخ تعدُّدية المُشارَكة الصحيحة النزيهة في الحكم، وبناء دولة الحرية والحق والعدل، دولة الإنسان، المُلتزِمة في حيادها، بالمُساعدة على تعميم تجربتها الرائدة على المشرق كلّه.