العودة إلى الحدث
2015-09-22
الإستعمار الروسي المباشر
الإستعمار المُباشَر
أرست روسيا بوارجها على شاطئ سوريا. وربضت طائراتها على مدارجها. وجسرها الجوي ناشط ليل نهار، ناقلاً الجنود والسلاح والذخيرة والعتاد إلى هناك.
لأول مرة في تاريخها الحديث، تعود روسيا إلى الشرق الأوسط. لكن هذه العودة تمركزٌ عسكري اليوم، ودخول من الباب الواسع طرفًا من أطراف التفاوض الميداني المُباشَر على مستقبل سوريا والمنطقة، ومنها لبنان.
كان الرئيس حافظ الأسد يعرف تمامًا العقل الأميركي. فيركب الموجة الصاعدة حتى الذروة، ولا يتراجع، فتتراجع واشنطن.
هكذا خنق أنفاس لبنان. وسعدن ثورة الفلسطينيين. وبقي على رأس نظامه كيفما تصرّف هذا النظام بحقوق الإنسان.
الرئيس الروسي ڤلاديمير بوتين نهج النهج ذاته في أوكرانيا. وها هو يُكرِّره في سوريا، وينفلش على رقعتها، فترضخ واشنطن. وسوف تبقى راضخة، طالما أن روسيا دشّنت وجودها العسكري في الشرق الأوسط بطمأنة إسرائيل إلى عدم عدائية حدودها الشمالية حيالها، من القنيطرة حتى الناقورة طبعًا.
حصة روسيا هذه المرة في المنطقة، حصة من دون واسطة ولا توكيل. إنها حصةُ استعمارٍ كامل الأوصاف، بذريعة إنهاء خطر الأصولية الإسلامية، الخطر المُشترَك، شرقًا وغربًا.
الروس حريصون علنًا على بقاء النظام، لا الرئيس في سوريا.
والرئيس الإيراني مُتمسِّك بالرئيس الأسد، حتى الخلاص من الأصولية الإسلامية.
أي إن نظام سوريا غدًا سيكون مُلحَقًا بموسكو، بلا أسد ولا بعث. إنما أي سوريا؟ من ضمن أيّ حدود، وتحت أيّ شكل؟
الروس قدّموا أنفسهم منذ بدء الفوضى الإقليمية المُنظَّمة، حماة للأقليات، لا سيما المسيحية. فما سيكون عليه مستقبل هذه الأقليات حيث ستكون لموسكو قدرة على الضغط والقرار؟
الواضح أن تقاسم المنطقة بدأ: أقصى الشرق في الشرق الأوسط، من دول الخليج العربية إلى الأردن فعُمان، محمية أميركية، العراق تحت الكنف الإيراني؛ إسرائيل يضمن عدم الاعتداء عليها توافق الدول الكبرى.
يبقى لبنان، الذي لا يزال يُشكِّل نقطةَ تلاقٍ بين الشرق والغرب، ونموذجًا لحل مشكلة الأقليات، ومحطَّ أنظارٍ بالنسبة إلى ثروته البحرية من الغاز والنفط.
السؤال: على ماذا يمكن أن يُفاوِض لبنان للفوز بحياده، في عصرٍ جديد تنتقل فيه القوى الكبرى إلى حدوده؟ وإلى أيِّ صوبٍ عليه أن يتوجّه، وهل إن حياده مطلبٌ ما لتلك القوى، ولماذا، وكيف؟
كلّ هذا يستلزم انتظام عمل مؤسسات لبنان الكبرى وتماسكها. فلم يعد بعيدًا اليوم الذي يعود فيه كلّ اللبنانيين مواطنين مدنيين يُلقى على عاتقهم واجب الإبقاء على بلادهم سالمة في وجهِ رياحٍ عاتية.