العودة إلى الحدث
2015-09-02
التغيير في لبنان يقترب
التغيير يقترب
تحار الطبقة السياسية في لبنان ماذا تفعل لستر عيوبها.
حفنة من الشباب القرفان منها كشفت عن هذه العيوب في شوارع العاصمة وساحتَين منها، فما عاد يعرف السياسيون ماذا يصنعون للحفاظ على "وهجهم" وكراسيهم، ولإرجاع الآلاف من اللبنانيين المؤيدين للقرف منهم، أرقامًا جامدة مُستسلِمة في حياة الوطن والدولة.
لا مكان للبناني، إلا ضحية، في واجهة الأحداث عندنا. وهذه الواجهة تبقى للسياسيين وأزلامهم من سخفاء المنابر والحناجر والشاشات. يجب أن تبقى لهم، أو تضيع الكراسي، والمغانم، والأسلاب، ويقطف الناس ثمرة صبرهم العجيب على التلهّي بمستقبلهم أعوامًا طويلة.
حفنة من الشباب قالت لا للتلهّي هذا، فقامت قيامة السياسيين.
كلّ حركة يقوم بها الشباب خطأ فظيع في حق لبنان وأهله.
والشباب لا يعرفون من السياسة شيئًا. وإذا نجحوا في موقف، يُرَدّ عليهم بمحاولة تمييعه.
وإذا دعسوا دعسة ناقصة، تسقط فوق رؤوسهم عصي أبناء شعبهم المولجين أصلاً بحماية حرية التعبير وإرادة التغيير لديهم.
وإذا طال تحرُّكهم أكثر من أسبوع، صاروا عملاء لدولةٍ أجنبية، وبيادق في يد أجهزةِ استخباراتٍ لا تريد الخير للبنان.
وإذا طالبوا بمُعالَجة كومة الأزمات المعيشية والخدماتية غير المسؤولين هم عنها، بل عبدة الجاه والثروة الحرام، لا يجد السياسيون أمامهم إلا الوقت الكافي لتحويل المُعالَجة صفقات يتقاسمون حصصها على حساب المال العام وجيب المواطنين.
ثم ينتبه السياسيون إلى ضرورة القيام بأمرٍ ما، درءًا للخطر المُتعاظِم، فيتداعون إلى مؤتمرٍ للحوار السخيف، أو يُسخِّفون رفض الناس لهم، ويدعون إلى تظاهرة لأتباعهم، ليقولوا إنهم لا يزالون أقوياء، وإن القرار لهم وحدهم.
غريب كيف أن بعض فتيةٍ وشبان أحلّوا هذا الإزعاج في قلوب السياسيين وعقولهم، فيما لم يُزعِجْ هؤلاء أبدًا استمرار البلاد من دون رئيسٍ للدولة منذ أكثر من عامَين، ولا تمادي السماسرة في إفساد الإدارة والمتاجرة بالماء والكهرباء والصحة والتعليم والسكن...
ويظلّ لديهم ما يكفي من انعدام الحياء لمحاولة الخروج أبطالاً أو أنبياء من كلِّ انتكاسةٍ تُصيبهم، أو من كلِّ حساباتٍ ضالّة ومُضِلّة أجرَوها وعملوا على الإفادة منها.
ركبوا سلطة الدولة منذ إعادة تركيب طبقتهم بعد اتفاق الطائف. وباتوا كثيري الحساسية إنْ قال لهم أحدٌ ما ماذا تفعلون؟ أو أنتم لا تسيرون على الطريق الصح، أو فشلتم فزيحوا من الدرب.
ولئلا يزيحوا، دجّجوا مواقعهم بأصناف الامتيازات، بحيث بات شبهَ مستحيلٍ قلع أحدهم من شروشه لأنه تافه، أو فاسد، أو عميل خائن.
وصارت صناديق الاقتراع مهزلة. وما عادت لأصوات الناس قيمة. وحدها صفقات المحادل هي صاحبة القيمة.
والذين ضاقت بهم أرض لبنان، أمامهم الغربة، كما كانت أمام أجدادهم. يرحلون ويُريح رحيلهم السياسيين وأبناءهم وأحفادهم.
أن تصبح الأحزاب عندنا مُخصَّصات زعاماتية متوارثة بكلّ وقاحة، فهذا ليس عيبًا.
وليس عيبًا خصي النقابات، ومُصادَرة حقوق الناس وأحلامهم.
ولا وضع اليد على الإعلام.
ولا تعهير البيئة بحيث تغيب التلال والجبال، تمحوها المقالع والكسارات؛ ويُخطَف الشاطئ ورماله، تسرقه عصابات الاستملاك اللاشرعي؛ وتغور الينابيع، وما تبقّى منها صافيًا يُباع للفقير بالمال، وما تبقّى مما تبقّى يختلط بمياه الصرف الصحي، ومعه أصناف الأمراض المُعدِية.
ولا تلويث طعام الناس عيب، ولا إقفال أبواب المستشفيات في وجوههم.
ولا مُحارَبة الجامعة الوطنية ببعضها بعضًا وبالجامعات الخاصة.
ولا ربطُ شهاداتٍ بسوق العمل، وإبقاء أخرى خارجه على يد مافيا التعليم والسوق.
هذا بعضٌ من اللائحة التي أنزلت الناس إلى الشارع، ودفعتهم إلى أن يقولوا لكلّ السياسيين: حلّوا عنا!
 لكن القول وحده لا يكفي.
ولا الغرق في مستنقع المطالب.
ولا تقليد أهل اليسار وبعض ربيع العرب في احتلال أماكن عامة، وتحطيمِ أملاكٍ عامة، واعتداء على قوى أمن.
كلّ هذا لا ينفع.
ينفع فقط رفع مستوى المطالب إلى قضية حق الناس بأن يُثبِتوا للداخل والخارج أنهم الأفضل لإدارة الشأن العام.
أي أن يُقدِّموا الحلول لمشاكلنا، ويُناضِلوا بذكاءٍ ومرونة وحكمة لتحقيقها.
منذ إخراج عساكر السوريين من لبنان ومفاعيل ذلك دوليًا، لم يشعُرْ أحد بأن الوطن الصغير يُشكِّل اهتمامًا لدى عواصم القرار.
وبالطبع، هذا لا يهم السياسيين في لبنان. فهم مشغولون بأمورٍ أخرى، ومالهم بعيد وفي مأمن.
اليوم، جلسةُ استماعٍ لمجلس الأمن الدولي، استدعاها أخيرًا ما يجري في الشارع اللبناني، ومحورها تحرُّك الناس ضد فساد الطبقة السياسية.
الأمر بسيط: اللبنانيون يريدون فك ارتباط بلادهم ببؤس الشرق الأوسط وعنفه.
وهذا يستلزم فك ارتباط سياسييهم بحياة البلاد ومصيرها.
أي توفير الضمانات اللازمة والواجبة على المجتمع الدولي من أجل تشريف توقيعه على جملةِ قراراتٍ اتخذها وتُحرِّر لبنان من طغمة السياسيين، لتُعيده إلى أبنائه وبناته عبر انتخاباتٍ نيابية سليمة وصحيحة التمثيل لواقعه المجتمعي الطوائفي، وإلى منطقته عاملاً من أجل سلامها وحريتها وإنسانها.
ربما خاب أمل اللبنانيين من الداخل والخارج.
ربما أرجأت الأحداث والظروف شروق شمس لبنان على الأوادم أبناء البيوت وبناتها يحكمونه.
ربما كانت يد الشرّ لا تزال عاصية على التطويع والإخضاع.
ربما لم ينضَجِ الرفض، لتستحيل ساحته عرضًا ومعرضًا لإبداعات اللبنانيين، ومجلسًا نيابيًا ومجلسَ وزراءٍ شعبيَّين يسمحان بتسفيه الباطل وإبراز الحلول. والأهم تقديم البرهان على استحقاق اللبنانيين الأفضل من بينهم لحكم البلاد.  
لكن الأكيد أن حركة الشارع في لبنان، صارت ملك اللبنانيين كلّهم.
وقرار توجيهها ملكهم كلّهم أيضًا.
وما جرى لن تعود به عقارب الساعة إلى الوراء، بل سيُنتِج قادة جددًا من صلب المُعاناة.
ما جرى إيذان باقتراب التغيير. ولسوف نتغيّر، ليصحّ التغيير