العودة إلى الحدث
2015-06-05
نصيحة لوجه الله
نصيحة لوجه الله
 
خرجت الأحزاب المسيحية في لبنان، ومعها الأحزاب الأخرى، من مسلسل العنف الداخلي إلى خيار السلم وفكرة إعادة قيام الدولة، تمامًا كما دخلته، طوعًا أو قسرًا.
والأحزاب التي نشأت بعد هذا المسلسل، لم يكن حظها من المستقبل الزاهر كبيرًا، بعدما استنسخت إلى حدٍّ كبير تجربة الأحزاب السابقة لها، وورثت بالتالي عيوبها.
من المذهل ألا تكون الأحزاب في لبنان قد تعلّمت شيئًا من مآسي الحرب.
وما هو مذهل أكثر أنها ذاهبة نحو السلم والدولة من دون تصالحٍ مع الذات ومع الآخر، أي من دون اعترافٍ بأخطائها وخطاياها، ومن دون طلبِ مغفرةٍ من الشعب اللبناني الذي، وحده، ضحّى بحياة أبنائه وبناته، وبأرزاقه، وبغده، وبطموحاته، ثمنًا لبقاء الحرية على أرضه وتحت سمائه، ولتكريس كرامة الإنسان، وللالتزام بأبعاد السلام كلّها، في دياره، ومنطقته، والعالم.
الأحزاب في لبنان لا يعنيها الارتداد إلى الماضي، وفتح أبواب التواريخ الخاصة لطوائف لبنان ومذاهبه، وتاريخها المُشترَك، تراثاتها الخاصة، وتراثها المُشترَك، أمام ضوء النهار، والاعتبار بها، وإحياء الخيِّر منها، والتعريف به.
لا يعنيها ما أبدعه العقل في لبنان، والمشاعر، من فكر، وشعر، ولحن، ولون... وأن ذلك هو الإرث الحقيقي للأجيال الآتية.
كما لا تعنيها العودة إلى الأرض، وإنباتها، وتحويل لبنان محمية طبيعية من النهر الكبير إلى الناقورة، ومن الشاطئ إلى عمق السهل.
وليس مهمًا، لديها، التساؤل عما جاء به اتفاق الوفاق الوطني، ثم الدستور الجديد، من تغييرٍ في جوهر المُمارَسة الديمقراطية، بحيث نقلها من تسلُّط الأكثريات، إلى توافق التمثيل النسبي في المجلس النيابي، التوافق الذي يصنع من لبنان تجربة رائدة في جعل قراره ثمرة التسوية غير المُشوَّهة المعنى، والقادرة على إيصال الحق إلى صاحبه، من دون نزاع، ولا مِنّة.
ولا ترى، هذه الأحزاب، أيَّ مُبرِّرٍ للحاجة المُلِحّة إلى تطوير الميثاق الوطني، ينقله إلى حيِّز النص المكتوب، والنص الذي يستحيل عقدًا شاملاً كلَّ حياة اللبنانيين، يُحدِّد دور لبنان ورسالته، وواجبات اللبنانيين ومسؤولياتهم وحقوقهم.
وللأحزاب ميل فطري، غريزي، إلى مُقارَبة السياسة تلك المُقارَبة التشاطرية المتذاكية، من ضمن لعبةٍ عمادُها الربح والخسارة، والصفقات والنجومية.
لا للمُقارَبة الجدية والمسؤولة، التشاركية، المكشوفة، والتي هدفها الوحيد الخير العام والمصلحة العامة.
ولا نزال نقرأ السياسة، ونسمعها، ونراها، عناوين وشعارات خالية من أيِّ نزوعٍ صوب المشروع.
لكأن ما أورثنا إياه تاريخُ الشرق من فرديةٍ شديدة التحجُّر، هو المبتغى والمآل، لا النهضة الجماعية الحاملة بحوافزها ما يُشجِّع اللبنانيين على الالتحاق بها، والعمل لإنجاحها.
إن النظرة الدولية إلى لبنان، فيها الكثير من التأثُّر بما تجده الأحزاب في لبنان غايةَ الصلاح، فيما هو في الواقع دورانًا حول الذات، طمعًا بمكسب، على حساب الصالح العام، واصطلاح الأحوال.
نصيحة لوجه الله: اللبنانيون ليسوا بالغباء الذي يجعلهم يُصدِّقون أن التغيير آتٍ مما يقرأون، ويسمعون، ويرَون.
ولعل ما يُفيد هنا، أن تستدير الأحزاب على نفسها، وتُغيِّر ما بنفسها، ليصبح لبنان حاجة وضرورة بالفعل لمحيطه والعالم، وواجب الوجود والحضور في مداولات الكبار، وهم يقتطعون قالب حلوى الشرق على مهل، وبكثيرٍ من النزق، وبرودة الإجرام، وسيول الدماء والدموع.