العودة إلى الحدث
2014-06-22
عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي

"من يحبُّني يحفظ كلمتي.

أبي يحبُّه وأنا أحبُّه، وإليه نأتي وعندَه نجعلُ منزلاً" (يو14: 21)


 

1. بعد الاحتفال، في الأحد الماضي، بعيد الثالوث الأقدس ثمّ بعيد خميس القربان، يكشف لنا إنجيلُ اليوم، أنَّ اللهَ الواحدَ والثالوث يسكن في كيان كلِّ إنسان يحبُّه ويحفظ كلامه ووصاياه. وتتمُّ هذه السكنى بواسطة المعمودية والميرون والقربان، وبسائر أسرار الخلاص التي ائتُمنت الكنيسة على خدمتها وتوزيعها.

2. يسعدُنا أن نحتفل معاً بهذه الليتورجيا الإلهية. فأرحّبُ بكلّ الحاضرين، مع تحية خاصّة للعائلات الحاضرة التي نحتفل بتكريمها، في مناسبة عيد الأب. فهي نماذج عن عائلاتنا، بعضها تميَّزت بوفرة إلإنجاب، وبعضها بدعوات كهنوتيّة ورهبانيّة، وبعضها بتبنّي أولادٍحُرموا حرارة العائلة، وبعضها بتقبّل التحدّيات بصبر وصمود ورجاء. إنّنا نذكرهم جميعًا في هذه الذبيحة الإلهيّة. ونذكر كلَّ الآباء والأمّهات، ونحن ننحني بامتنان وتقدير وعرفان جميل أمام تضحياتهم، شاكرينهم على أنّهم أعطونا نعمة الوجود والإيمان المسيحي. وأُعربُ عن شكري، باسمكم جميعًا، لمكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية، بشخص منسِّقِه الأباتي سمعان أبو عبدو، الذي يتولّى أيضاً مهمّة المدبِّر البطريركي لأبرشية حلب المارونية، وبشخص مساعدَيه الزوجَين المتفانيَين سليم وريتا الخوري.

وأحيِّي أيضاً جمعية الكتاب المقدّس ومنظَّمة الرؤية العالميّة للشَّرق الأوسط المتمثّلة بيننا بشخص مسؤوليها وأعضائها، بمناسبة إطلاق "الكتاب المقدس للسلام والعدالة". وهو ترجمة عربية مشتركة للكتاب المقدس، مع خمسة عشر مقالاً عن القضايا المتعلِّقة بالعدالة الاجتماعية وبالسلام في المجتمع والدّول من منظور الكتاب المقدس. كافأ الله بفيض من نعمه كلَّ العاملين والمضحّين في هاتَين المؤسَّستَين المسيحيَّتَين.

وأودُّ الإعراب عن شكري وتقديري لنشاطات جمعيّة الكتاب المقدّس، في إطار عملها كمنظَّمة مسيحية مسكونية تُعنى بخدمة حاجات الكنائس والمنظّمات المسيحية والمؤمنين المتعلِّقة بالكتاب المقدس. إنّها تقدّم "خبز الحياة الأبدية". كما أشكر وبتقدير منظمة الرؤية العالمية - فرع الشَّرق الأوسط، التي تعمل بروح مسكونية على مساعدة الأولاد والعائلات والجماعات للخروج من حالة الفقر والحرمان، ولترسيخ إيمانهم بيسوع المسيح. هذا ما تفعله في أوساط الفقراء في لبنان والأراضي المقدَّسة.

3. من يحبُّني يحفظ كلمتي ووصاياي (يو14: 21). كلامُ الربّ يسوع يؤكّد أنَّ المحبةَ ليست بالكلام بل بالأفعال، كما يوضحُها يوحنا الرسول: "لا تكن محبّتُنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحقّ (1يو3: 18). هذا هو الطريق لدخول الله إلى قلب الإنسان وكيانه ولسكناه فيه، أن نحبَّه من القلب والفكر والإرادة، وهذا يكون ظاهراً في حفظ كلامه ووصاياه. المحبة، عند الله، أكبر وأولى من كلّ عمل وإنجاز، لا لنفي أهميته، بل لكي يكون له قيمة وروح وغيرة وتواضع وتجرّد. والكلام لبولس الرسول أيضاً:

" لو كنتُ أنطقُ بألسنة الناس والملائكة... ولو كانت لي النبوءة، وأعلمُ جميع الأسرار والعلم كلَّه، ولو كان لي الإيمان حتى أنقل الجبال، ولو بذلت جميع أموالي للإحسان، ولو سلَّمتُ جسدي ليُحرق، ولم تكن فيَّ المحبّة، فإنّما أنا نحاسٌ يطنّ أو صنجٌ يرنّ، ولست بشيء، ولا أنتفع شيئًا"(1كور13: 1-13).

إنّ إرادةَ الله ومبتغاه أن يجعل سكناه في قلب كلّ مؤمن ومؤمنة بواسطة كلمته ونعمته، لكي تستقرَّ الحقيقة في عقله، والمحبة في قلبه. إذا انتشرت الحقيقة وسادت المحبة في العائلة والمجتمع والدولة، أصبحت الجماعة أيضاً سكنى الله الواحد والثالوث. لا أحد يستطيع أن يعطي ما لا يمتلكه. العالم بحاجة إلى الحقيقة والمحبة، لكي يتمكّنَ الناس من أن يعيشوا معاً في جوّ من العدالة والسلام. فكيف نعطيهما إذا لم نمتلكهما. بامتلاك الحقيقة والمحبة نتمكّن من الشهادة للمسيح في العائلة والمجتمع والدولة.

4. "السلامَ استودعكم. سلامي أُعطيكم...فلا تضطرب قلوبكم ولا تجزع" (يو14: 27). بهذا الكلام، يكشف لنا الربّ يسوع ثمار الحضور الإلهي فينا وهي: السلام والثقة وانتفاء الخوف.

المسيحُ يستودعنا السلام عطيةً سماوية نحفظُها في قلوبنا: سلامًا مع الله والذات، سلامًا نبنيه في العائلة والمجتمع والدولة وبين الشعوب والدول، على أُسس أربعة: الحقيقة والمحبّة والعدالة والحرّية (راجع رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرين: سلام في الأرض، عد 87).

ويعطينا سلامه أي ذاته، الذي لا يستطيع العالم أن يُعطيَه (راجع يو2: 14). فيه نجدُ سلامنا، ومنه يأتينا. السلام الذي نبنيه نحن ناقص، والمسيح " أمير السلام" يكمّله. والسلام القائم في ما بيننا محدودٌ وناقص بسبب الأفكار الحسنة والسيئة عن بعضنا البعض، غير أنّه يكتمل بسلام المسيح، الذي يختبره القدِّيسون على أرضنا. سلامُ المسيح هذا الذي يكمّل سلامنا ويبلغ بنا إلى ملئه، ينفي من نفوسنا كلَّ خوف وتردّد وتراجع، ويملأنا شجاعةً وثباتًا.

5. حضور العائلات معنا اليوم لتكريمها، يبيّن قيمة العائلة المسيحية ككنيسة بيتيّة تربّي على الإيمان والممارسة الدينية، وعلى الصلاة وممارسة الأسرار. فعندما نقول "كنيسة"، نعني جماعة المؤمنين والمؤمنات التي رأسها يسوع المسيح. تتألّف الكنيسة بحدّ ذاتها من عنصرَين إلهي وبشري. والعائلة "كنيسة" لأنّها مبنيّة على سرّ الزواج المقدّس، وبالتالي هي مكان الحضور الإلهي، بحكم طبيعتها الأسرارية. لهذا الوعي يهدف "مكتب راعوية الزواج والعائلة" في الدائرة البطريركية، ومراكز التحضير للزواج في الأبرشيات وإلزامية حضور دوراته التحضيرية، ومراكز الإصغاء العائلي من أجل حلّ الصعوبات وإجراء المصالحات.

6. وكذلك حضور جمعية الكتاب المقدّس ومنظّمة الرؤية العالمية للشرق الأوسط، وهما تُعنيان بنشر كلمة الله عبر الكتاب المقدّس، وتجسيدها في خدمة المحبة تجاه الأولاد والعائلات الفقيرة، يكتسب أبعاده في ضوء إنجيل اليوم. فكلمةُ الله، التي نقبلها في عقولنا حقيقةً وفي قلوبنا محبةً، تضمن سكنى الله، الواحد والثالوث في كياننا الداخلي، وحضوره في حياة المجتمع. وتعطي معنى وقوة لحضور المسيحيِّين في لبنان وبلدان الشَّرق الأوسط، التي تحتاج إلى ثقافة الحقيقة والمحبة، لكي تبلغ إلى العدالة والسلام وقبول الآخر المختلف والكفّ عن القتل والعنف والتدمير. ولذا نردّد أنّ للمسيحيين دوراً أساسياً في صنع السلام والاستقرار والاعتدال.

7. وفي المناسبة لا يمكننا أن ننسى العائلة اللبنانيّة المؤلّفة من مُكوّنَين: مسيحي وإسلامي، وقد أضحت نموذجًا لمجتمعات اليوم، المشرقيّة والغربيّة، تتهدّدها نزعتان متشدّدتان ومتناقضتان: الأنظمة الدينية التي تسعى إلى إلغاء الآخر المختلف، وإلى فرض إيمانها وتقاليدها وشريعتها على الغير؛ والأنظمة العلمانيّة الملحدة التي تُقصي الله عن حياة المجتمع والدولة، فتشرّع هذه كلَّ ما يطيب لها، من دون أي اعتبار لشريعة الله الطبيعيّة، وشريعته الموحاة. وبتنا نرى عندنا في لبنان ظاهرات لهاتَين النزعتَين، بالأمس في إحدى بلدات شرقي صيدا، وخلال هذه السنة في إحدى المدارس التي تُسمّى علمانيّة. إنّنا نطالب الحكومة والوزارات المختصّة بإصدار تعميم يوقف مثل هذه الممارسات ويذكّر بما تنصّ عليه المادة 9 من الدستور: "حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".

ونصلّي إلى الله، بشفاعة سيدة لبنان، من أجل حماية العائلة اللبنانية الوطنية من شرّ العابثين بأمنها ومؤسّساتها، ومن ظاهرة العنف والسيارات المفخّخة. ونذكر بصلاتنا ضحايا التفجير الأخير شهيد قوى الأمن الداخلي، تغمّد الله مثواه بالرحمة وعزّى عائلته وأهله، وبلسم آلام الجرحى وشفاهم. كما نذكر بلدان شرقنا الجريح، بخاصّة سوريا والعراق وفلسطين، راجين لها السلام وإيقاف دوّامة الحرب والإرهاب، وإيجاد الحلول السلميّة لأزماتها، بمساعدة ذوي الإرادات الحسنة.

8. إنّنا نجدّد رجاءنا بالمسيح، فنصمد وسط الصعوبات والمحن، مدركين الدور المنتظر منا كمسيحيين، لكي نواصل مع إخواننا المسلمين بناء ثقافة الاعتدال، وقبول الآخر المختلف، وحرية الدين والمعتقد، والتعدّدية في زمن العولمة. الإرشاد الرسولي للقديس البابا يوحنا بولس الثاني "رجاء جديد للبنان" يرسم لنا خريطة الطريق. وكذلك الإرشاد الرسولي للبابا بندكتوس السادس عشر "الكنيسة في الشَّرق الأوسط، شركة وشهادة" يضع لنا أفضل المبادئ لإكمال مسيرة العيش معاً من أجل مستقبل أفضل في عالمنا الشرق أوسطي. وقداسة البابا فرنسيس، بزيارته الأراضي المقدسة في أيار الماضي، وكلماته، استكمل خطّ العيش معاً وبسلام وأخوّة.

وإنّنا نصلّي معاً من أجل عائلاتنا لكي تدرك شرف هويتها ورسالتها في الكنيسة والمجتمع؛ ومن أجل المسيحيين لكي يستنيروا بكلمة الله ويجسّدوها ثقافةً في مجتمعاتهم وحضارةَ حياة. ومن قلوبٍ حافظة للكلمة الإلهية نرفعُ نشيد المجد والشكر للثالوث المجيد، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.