العودة إلى الحدث
2016-03-16
ثلاثية الحرية والدولة للمونسنيور سعيد الياس سعيد
فاديا كيوان
12 آذار 2016 - السنة 83 - العدد 25926
موقع جريدة النهار الإلكتروني
 
ثلاثية "الحرية والدولة" وانعاش الفكر السياسي اللبناني
فاديا كيوان
"الحرية والدولة" للمونسنيور سعيد الياس سعيد، ثلاثية في مواضيع ساخنة بالنسبة للبنانيين اليوم: الحرية، العدالة والتضامن، والطوائفية، أطلقت في فاعلية أقيمت في جامعة الحكمة منذ أيام. وفي زمن يشعر فيه المواطن بأن جلّ ما يسمعه ويشاهده عبر وسائل الإعلام هو اجترار ودوران في الحلقة المفرغة، لمع هذا الانتاج الجديد للمونسنيور سعيد كالنجمة في سماء داكنة.
يبدأ الكاتب بإستعادة مسألة الحرية والدول الديموقراطية الحديثة بحسب المفكر إيريك فيل. وينطلق من تساؤل "ألسنا في زمن يستند الفكر السياسي فيه على واقع جيو سياسي متحوّل، حيث الدول القومية العربية الاسلامية التي أنشئت منذ قرن تتفكك والحضور المسيحي يذوب مثل الثلج تحت الشمس مع أن المسيحيين كانوا متواجدين ومزدهرين في كامل هذه المنطقة منذ خمسة عشر قرنا. ويتساءل حول كيفية بقاء كل هذه الطوائف حية وفي أي نوع من الدول إن لم يكن في الدول الديموقراطية الحديثة؟
ثم يعالج الكاتب الجهد المزدوج لمن أراد الارتقاء من موقع الفرد الى موقع المواطن ويقر بأن الحرية الفعلية للمواطن لا تتحقق إلا في دولة قائمة على الحق وبالتالي فإن الحرية الفردية يجب أن تقف عند حدود حرية الآخر. ومن واجب صاحب السلطة، أكان ملكا أو دولة أو شعبا، أن يحكم بالعدل وبحسب القانون فيمنع استعمال الفرد للعنف من أجل تصفية حساباته. "كما أنه من واجب الدولة أن تحتكرالاستعمال القانوني للعنف على أرضها".
ويقرّ الكاتب بأن "الحرية بحاجة لقواعد العدالة ليكون توزيع الموارد على المواطنين توزيعا منصفا" وأنه من الواجب أن يكون النظام الاجتماعي في خدمة الانسان وليس العكس".
في الكتاب الثاني يتناول الكاتب فكر جون رولز في مجال بناء العدالة في النظام الليبرالي، الاقتصادي والسياسي. ويستعين بفكر إديت ستين للتمييز بين الدولة والجماعات، ولإيضاح فكرة الحقوق الذاتية للطوائف في ظل الدولة المتعددة، وللإلحاح لجهة تنمية التضامن بين المواطنين بما يعزز فرص اندماج الكيان السياسي في الدولة.
في الكتاب الثالث، يتساءل الكاتب إذا كانت الديموقراطية بمفهومها الغربي ملائمة للدول المتعددة طائفيا وإذا كانت قادرة على حماية حقوق الاقليات في ربوعها. ويجيب بالنفي. ويذكّر بكلمة البابا يوحنا بولس الثاني أن "لبنان هو أكثر من بلد، فهو رسالة حرية ونموذج للتعددية للشرق وللغرب". ويستعيد الكاتب آليات عمل النظام اللبناني الطائفي فيميز بين مشروع التوافق ويسمّيه الطوائفية، وهي تحمل في طياتها بذور التضامن، وبين السلوكات الطائفية بمعنى التمييز العنصري والاستنساب الطائفي.
من أهم ما أتى على ذكره الكاتب أن الدول الحديثة مولودة في العنف وما زالت آثاره بادية فيها. فمؤسسي الدول هم ممن سعوا لضم الأراضي وهم ليسوا قادة طبيعيين. أما الجماعة الوطنية الحديثة، فهي قد تشكّلت في الدولة ومن خلالها.
وإذ يتناول الكاتب المأزق الذي وصل إليه اداء النظام اللبناني، فهو يميز مرارا بين الطائفي والطوائفي وهو بذلك يسمح بالفصل بين مرامي النظام اللبناني وأهدافه من جهة، وبين شططه وانحرافاته من جهة أخرى.
تعكس هذه الثلاثية ثقافة المونسنيور سعيد الواسعة والمتينة وتعكس ايضا اهتمام آباء الكنيسة بمشاكل المجتمع اللبناني وبخاصة في مجال السياسة. وهو يحمّل، كما فعل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، مشروع الدولة في لبنان معنى أخلاقيا وروحيا ورمزيا قد يشعر القارئ أننا بعيدين عن تجسيده حاليا كل البعد.
ويلفت هذا الكتاب، في أجزائه الثلاثة، الى أن بعض رجال الدين هم في عداد الناشطين فكريا من بين مثقفي لبنان، بحثا عن حلول للمأزق ، وأنهم يواكبون مسيرة لبنان في كل مراحلها، الناجحة منها والمتعثرة.
ويلقي الضوء مرة جديدة على الدور الطليعي الذي يلعبه كتّاب من رجال الدين في مجال إنتاج القيم الاجتماعية والسياسية ونشرها فيظهر تأثيرهم الفاعل والمتواصل على المسار الثقافي للمجتمع وعلى توجهاته الايديولوجية.
في هذه الثلاثية، اعاد المونسنيور سعيد صوغ نص أطروحة دكتوراه أعدّها ونال على اساسها شهادة الدكتوراه في الفلسفة في العام 2015. وهي شهادة الدكتوراه الرابعة التي يحصل عليها المونسنيور سعيد، بعد شهادة دكتوراه الدولة في الطب – في اختصاص البنج – ودكتوراه في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي.
ينعش هذا الكتاب الفكر السياسي اللبناني ويعيد بعض الحياة الى النقاش السياسي في لبنان من خلال ربط الاشكاليات والمعادلات المتداولة اليوم بالفكر السياسي الكلاسيكي من جهة، ويربطها أيضا بواقع الحال وبخصوصيات المكان والزمان. فمن جهة، يبقى محور الانشغال هو حرية الانسان والتي فيها تتحقق كرامته الانسانية، ومن جهة أخرى، فإن هذه الحرية لا تتحقق إلا في دولة قائمة على الحق. أما الدولة القائمة على الحق فهي دولة تستند الى العدالة وبالتالي فهي تنمي التضامن بين مكوناتها. وهذا التضامن يقوم بدوره بتعزيز وحدة الجماعة الوطنية. ويبدو المونسنيور سعيد مقتنعا بأن الجماعة الوطنية الحديثة تولد في كنف الدولة العادلة وأن النظام الطوائفي من شأنه تنمية التضامن الوطني فيما الطائفية اي العنصرية القائمة على الانتماء الطائفي لها تأثير عكسي.
تحية الى المونسنيور سعيد تقديرا لجهده ولدقة تحليله وتحية له، بل وألف تحية على مقصده وهو تصوّر رجاء جديد للبنان... المتهالك.

استاذة في جامعة القديس يوسف