العودة إلى الحدث
2016-03-10
د. سمير الضاهر

لبنان

تداعيات الشغور الرئاسي على إقتصاد الوطن

ما بين السياسة والإقتصاد

 

أصحاب السيادة والمعالي والسعادة، أيُّها السيدات والسادة،

 

١.   من المسلّمِ به أن الترابطَ وثيقٌ بينَ أداءِ الإقتصادِ ونموِّه من جهةٍ، والواقعِ السياسي والإطارِ المؤسساتي من جهة أُخرى. وكيف لا يكون ذلك في لبنانَ وركيزةُ إقتصادِه الأولى بل الأساسية، هي قطاعُ الخدماتِ من مصارفَ، وسياحةٍ، وتجارةٍ، ونقلٍ، والذي يتأثّر بشكلٍ حثيثٍ بالأمنِ والإستقرارِ، وسلطةِ القانون، وإنتظامِ المؤسسات وعملِها.

 

٢.  فما الحالُ إذاً ولبنانُ يتخبَّط في عاصفةٍ إقليميةٍ عارمةٍ، تتقاذفه أمواجُ حربِ سوريا العاتية كمركبٍ دونَ دفةٍ أو شراعٍ أو مرساةٍ، تنال منه شظايا حربِ اليمن، وإرتداداتُ أحداثِ العراقِ والبحرَين، ويشهدُ نزوحاً بشرياً بحجمٍ غيرَ مسبوقٍ، ويعاني من تداعياتِ ركودٍ إقتصادي إقليمي نتيجةَ إنهيارِ أسعارِ النفط، لتَنْضَبُ من جرّاءِ كلِّ هذا، ومن فقدانِ الثقةِ بعملِ المؤسسات، حركةُ الإستثمارِ، وتتنامى هجرةُ ذوي المهاراتِ. فهل هُوَّذا الوقتُ المؤآتي لغيابِ القبطانِ عن متنِ السفينة؟

 

٣. هناك من يعتبر (تبعاً للمادة ٧٥ من الدستور) أنه في غياب رئيس الجمهورية، يَغدو البرلمانُ هيئةً إنتخابيةً، فينكَفئ دورُه كسلطةٍ تشريعيَّةٍ ورقابية – ويا لَهَوْلِ هذا الواقع في حال تردِّي الأوضاع الإقتصادية والمالية، والحاجة إلى تشريعاتٍ أو تعديلاتٍ قانونية.

 

٤.  فالكلُّ يذكُرُ ما سُمِّيَ "بتشريعِ الضرورة" – ونحنُ اللبنانيون سبّاقون في إبتكارِ العِباراتِ... وإن كُنّا غالباً لا نأخُذُ بالعِبَرِ – عندما إنتابَنا الهلعُ أن تنقضي المٌدَّةُ المتاحةُ دونَ إبرامِ معاهداتٍ دوليةٍ على صلةٍ بالقطاعِ المالي، ما كادَ يضعُ لبنانَ في مرمى عقوباتِ تبييضِ الأموالِ وتمويلِ الإرهابِ، ويُعَرِّضه لخسارة مشاريع عمرانية مُمَوِّلة من جهاتٍ خارجية.  فهرعنا عندها لعقدِ ندوةٍ يتيمةٍ لمجلسِ نوابٍ يَرفُضُ البعضُ إلتآمَه في غيابِ رئيسِ الدولة الذي يسهر على إحترام الدستور؛ هذا الدستورُ عينُه الذي يُخوِّلُ الرئيسَ، وهو رمزُ وحدةِ الوطن، العملَ والمبادرةَ لدرءِ الأخطارِ، بما فيها الإقتصادية بل لتفعيل الأقتصاد الوطني عبرَ أدواتٍ عِدَّة مُتاحَةً له. 

 

٥.  لقد جادَ أصحابُ المعالي في مداخلاتِهم حولَ صلاحياتِ رئيسِ الجمهورية، وما قد تكون عواقبُ شغورِ سدَّتِه على أصعدةٍ عِدَّة. وسأخُصُّ من هذه المسؤوليات ما يَمُتُّ إلى الشأن الإقتصادي بِصِلة. ومن الحقِّ القولُ، ونحنُ تَوّاقون إلى مَلْءِ الفراغِ الرئاسي، أن ذلك ليس فقط كي يلعبَ رجلُ الدولةِ الأولُ دورَه (تبعاً للمادة ٥٣) في تَرَأُس الحفلاتِ الرسميةِ وإسْتِصْدارِ مراسيم منحِ الأوسمة – ولا حتى (تبعاً للمادة ٤٩) ترأُس المجلس الأعلى للدفاع بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تِبعاً للدستور، "تخضعُ لسلطةِ مجلسِ الوزراء"، ما يعني أن لا إنهاءَ ولا إمرةَ للرئيسِ عليها!

 

٦.  بل نحنُ، فيما يتعلّق بالواقعِ الإقتصادي والإجتماعي والديموغرافي والتربوي والثقافي والحُضَري والبيئي، أي كل معطياتِ الإنماء ومتطلباته، وما يَمُتّ إلى حياةِ اللبنانيين ورِزقِهم ورَفاهيتِهم، ومسيرةِ مجتمعِهم، ومستقبلِ أولادِهم، وحقِّهم بالعملِ والعيشِ الكريم في وطنِهم، لا كَمُهاجِرين ومُهَجَّرين في أقاصِ المعمورةِ، فنحْنُ نَنْظُرُ إلى مجئ رئيسِ دولة على صهوةِ جوادٍ أبيضٍ، شاهراً سيف الحقِّ والجدِّ والعملِ والإصلاحِ في وجهِ الصعابِ والأزماتِ التي، على جسامتِها، لا تَفتقرُ للحلولِ إنما تنتظرُ المبادراتِ والقرارات. وأهَمُّها من وجهةِ نظري، القضايا الآتية التي تَمُتُّ إلى إحترامِ الدستورِ وترميمِ المؤسسات، وحمايةِ الإنسان، وصونِ الكيان، والتى تنتظر رئيساً لقيادتها.

 

٧.  القضيةُ الأولى. إقرارُ الموازناتِ لوَقفِ العَبَثِ بالمالِ العام في ظلِّ شَلَلِ البرلمان وإنكفاءِ دورِه كَسُلْطَةٍ رقابية، هذا والفسادُ مُستشرٍ لدرجةٍ لم يعهدها لبنانُ في تاريخِه المعاصر. فمن الواجب تِرميمُ الماليةِ العامة، وعمودُها الفقري موازنةُ الدولة، والتي هي، كرئيس البلاد مُغَيَّبةً كُلياً، إذ لم يتم إقرارُ أيِّها أو تقديمُ "قطعِ حسابٍ" بصددها منذ عقدٍ ونَيِّف تحت شتَّ الحجَجِ والذرائع – وهو أمرٌ غيرَ مسموعٍ به ما عدا: (واحد) في خِضَمِّ الحروبِ الأهلية؛ (إثنان) في ظُلّ الأنظمةِ المارقة؛ و(ثلاثة) في مُمارساتِ الدولِ الفاشلة. أتَراكُمْ، أين لبنانُ من هذه الفئات؟

 

٨.  إن دولةً غيرَ قادرةٍ على تأمين الخدمات والحاجات الأساسية لإستدامةِ مجتمعٍ منظّمٍ، هي دولةٌ فاشلة؛ إن دولةً غير قادرة على ضمان سلامة وأمن المواطن ومراقبة حدود الوطن هي دولة فاشلة؛ إن دولةً غير قادرة على إرساءِ سياسةٍ وطنيةٍ جامعة تجاه النزوح السوري العارم هي دولة فاشلة؛ إن دولةً غير قادرة بعد ربع قرن على إنتهاء الحرب العبثية على توفير مياه الشفّة وتوليد الطاقة الكهربائية الكافية للأُسَرِ والمؤسسات وإدارة حركة المرور والنقل العام ووقف التدهور البيئي هي دولة فاشلة؛ إن دولةً تسمح لأي صاحب مَطْلَبٍ، مهما حَقَّ، بإقفال الطرق الرئيسية ولا تَرْدَع الإحتلال غير المشروع للأملاك العامة هي دولة فاشلة؛ إن دولةً تسمحُ، الشهرَ بعدَ الشهرِ، بتراكمِ تلالِ النفاياتِ على أرصفةِ المدن وفي ساحاتها ونثرها في الوديان والغابات، وتُقْحِمُ بنِزاعِ الطوائفِ في حاوياتِ القُمامَةِ ومطامِرِها، فتضيفُ إلى نَتْنِها تعقيداً، هي دولة فاشلة؛ إن دولةً لم، ولا، ولن تعمل على تقليص عجزٍ مزمنٍ ودينٍ متنامٍ وإقرارِ موازنةٍ للحدِّ من الإنفاق المُفْرِط والعقيم لإتْخام الإدارات بالمحاسيب والأزلام، إحكاماً للنفوذِ على مقاليدِ السُلطة، هي الدولة الفاشلة عينها! عسى إذاً أن يفلح الرئيسُ العتيد، قوياً كان أو توافقياً، برفعِ لبنان واللبنانيين من مستنقعاتِ الفشلِ والإذْلال.  

 

 ٩.  فالموازنةُ العامة ليست من ضروبِ الترفِ أو الكماليات، بل أداةٌ إلزامية لتجسيد الرؤًى الإقتصادية للحكومات عبر تَحديد أولويات الإنفاق [بناءً على معاييرَ واضحة وموضوعية] في إطار برامِجَ عملٍ تَتَوَخّى تحقيقَ النمو الإقتصادي والتنمية البشرية.

 

١٠.  وتأكيداً لأهميتها، فالمادة ٨٦ تُخَوِّل رئيسَ الجمهورية أن يُصْدِرَ الموازنةَ، إن لم يُقِرُّها مجلسُ النوابِ بأُفولِ أول شهرٍ من السنة (هذا إن أوْضَعَتْها الحكومةُ المجلِسَ قبل تشرين الأول من العام المنصرم). كما أن المادةَ ٣٣ تُعطي الرئيسَ صلاحيةَ الدعوةِ لفتحِ عقودٍ إستثنائية للبرلمان، ما هو أساسي إن طرأت أمورٌ إقتصادية ملحّة. كذلك المادة ٨٥ التي تنوط بالرئيس صلاحيةَ فتحِ إعتماداتٍ إضافية في الموازنة. وإن إشْتَدَّتِ الشدائِدُ، فالمادة ٦٥ تُخوِّل الرئيسَ أن يَطْلُبَ حلَّ مجلسِ النواب (إذا إمتنع، من غير أسباب قاهرة، عن الإجتماع طوال عقد عادي... أو) "في حالِ ردِّ الموازنة برمَّتِها بقصدِ شَلِّ الحكومةِ عن العمل". ويمكن إعتبارُ عدم بثِّ المجلسِ بمشروعِ الموازنةِ أصلاً، بمثابةِ "حالِ ردِّها"، بل أشَدّ منه سوأً وأقْبَح منه شأناً.

 

 ١١.  القضية الثانية. إدخال برامجِ الحمايةِ الإجتماعية، من تغطيةٍ صحيةٍ شاملة ونظامِ تقاعد، حيث أن غيابَهما لا يتناسب مع مستوى الحياة ومعدَّلات الدخل في لبنان. فالحمايةُ الإجتماعية هذه تُنْصِفُ الإنسانَ أولاً، وتُحرِّرُ المواطنَ ثانيةً من الإرتهانِ لمجموعةٍ هنا والتبعيةِ لزعيمٍ هناك. وفي هذا الصدد، على الرئيس المنتظر أن يعمل على إصدار قانونِيْن أصبحا جاهزَيْن، وقد أخذت النقاشاتُ حولهما حيزاً واسعاً من الوقت والدراسات بغية التأكد من ديمومة البرنامج المقترحة وفعاليتها.

 

١٢- (أ) أولُهُما التغطية الصحية للجميع، وهي تضيفُ مليوني لبناني غيرَ مشمولين حالياً في منظومَةِ الضمان، اي نصفَ المواطنين اللبنانيين المقيمين. ويمكن تحقيقُ ذلك بكلفةٍ لا تتعدّى ١،٥٪ من الناتج المحلي – ما يوازي على سبيل المثال ثلثَ العجزِ السنوي لشركة كهرباء لبنان – وهو مبلغٌ يُمْكِنُ للخزينة تحمُّلُه بِصَدَدِ مشروعِ إصلاحٍ بهذه الأهمية وإن تَطَلَّبَ ذلك جدولةً على مراحل.

 

١٣- (ب) ثانيهما نظام التقاعد، البالغُ الأهميةِ أيضاً، ويرمي إلى إستبدالِ "تعويضِ نهايةِ الخدمة" الذي يدفعُ مبلغاً مقطوعاً لعاملي القطاع الخاص، بنظامٍ بديلٍ يعتمدُ آلياتِ الرواتبِ التقاعدية مدى الحياة إسوةً بموظفي القطاع العام، وتمشِّياً مع الممارساتِ الدولية. فتعويضُ نهايةِ الخدمة لا يسمح بمواجهةِ مخاطرَ الشيخوخة والعجز، اضافةً الى أن صاحبَه يفتقدُ الحمايةَ الصحيةَ لدى تَرْكِه العمل. وإذ لبنان بلدٌ فتيّ، يُمْكِنُ لإقتصاده أن يَحْمِلَ كِلفةَ النظامِ الجديد نظراً لضآلة عددِ المتقاعدين نسبةً الى العاملين المساهمين بتمويله (متقاعدٌ واحد مقابل ٢٢ عاملين في لبنان، بموازاة واحد مقابل ٣ في أوروبا)، ما يُمَكِّن نظامَ التقاعدِ هذا من تحقيقِ تراكماً لإحتياطاتٍ ماليةٍ وافِرَة تُؤمِّن ديمومتَه.

 

  ١٤. أما القضية الثالثة، فمعالجةُ المسألةِ المصيرية المتعلِّقة بالنزوحِ السوري إلى لبنانَ بما له من وقعٍ على الإقتصاد الوطني والمالية العامة، ناهيك عن الضغطِ الديموغرافي والتداعيات الأمنية. فمن صلاحيات رئيس الجمهورية (مادة ٥٣) أن يعرضَ ما يَرْتَئيه من الأُمورِ المهِمَّة أو الطارئة على مجلس الوزراء [من خارج جدول الأعمال]. وهل من أمرٍ أهَمّ من النزوح السوري وهو، كالرئيس والموازنة، قد غُيِّبَ عن الطرحِ والمداولةِ على المستوَيَيْن الوطني والسياسي، والذي لم تتعدَّ مقاربتُه إستجداءَ المعونةِ من دولٍ لم تنأ بنفسِها عن حربِ سوريا، إنما أوْصَدَتْ أبوابَها في وجهِ نزوحِ أبنائها لِتَهْجِيرِهِم إلى لبنان. وهذا من الخطورة ما يستدعي القيادة على مستوى قُمَّةِ هرم الدولة، ومن قِبَلِ من هو رمزُ وحدةِ الوطن والمؤتَمَنُ على سلامةِ أراضيه.

 

١٥.  خِتاماً، سأسْمَحُ لنفسي بملاحظةٍ تتعدّى نطاقَ الوقعِ الإقتصادي للشغورِ الرئاسي، ذلك رغم وجودِ أساتذة علم القانون والدستور والميثاق على هذا المنبر. ذلك حول ما نصَّت عليه المادة ٦٢ – تُناطُ مسؤولياتُ رئيسِ الجمهورية في حالِ الشغورِ بمجلسِ الوزراء، أي "مجتمعاً". فكيف يُداوى الداءُ بالداءِ؟ فما نشهده نصب أعْيُنِنا من جمودٍ وعجزٍ لمجلس الوزراء (بما ينسحب أيضاً على إداء الإقتصاد) ليس وليد الصدفة بل هو حتمي حيث أن الشغورَ الرئاسي هو نتيجةُ صراعٍ قائم بين الفصائلَ السياسية المُكَوَّنُ منها، أصلاً، مجلسُ الوزراء. فعدم إتفاقها على الخياراتِ الوطنيةِ والسياسيةِ والإقتصاديةِ الأساسية هو ما يحولُ دون إنتخابِ رئيسٍ يحظى بتأييدِ الأكثرية منها. فهذا تدبيرٌ لا يؤول إلى إدارةٍ واقعيةٍ وفاعلةٍ لشؤون البلاد، بل قد يصلح لفترة وجيزة عرضية، كإستقالة الرئيس من منصبه مثلاً. لذا باتَ مجلسُ الوزراء سلطةً شكليةً غيرَ مجديةٍ، مُعَطَّلَة ومُعَطِّلَة إذ لا يُمْكِنُ قيامُ بديلٍ لها وسُدَّةُ الرئاسةِ شاغرة.

 

ولكُم الشكر على الإصغاء،

 

سمير خليل الضاهر

المركز الماروني للتوثيق والأبحاث

 ٩ آذار ٢٠١٦