العودة إلى الحدث
2015-11-26
الإسكندرونة أو هَتاي
26/11/2015
 
الإسكندرونة أو "هَتاي"؟*
 
عقب حادث إسقاط طائرة السوخوي الروسية على الحدود التركية- السورية فوق أقصى الزاوية الجنوبية لمقاطعة هَتاي التركية المتداخلة في الأراضي السورية نعطي لمحة عن هذه المنطقة المتنازع عليها:
كان لواء الإسكندرونة يتبع ولاية حلب في عهد الحكومة العلية العثمانية. على أثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وانسحاب الجيش العثماني من الربوع السورية أمام تقدم القوات البريطانية التي حلت محله وتفكك السلطنة العثمانية، انتُدِبت فرنسا على سوريا وكان لواء الإسكندرونه أو سنجق الإسكندرونة من ضمن الانتداب الفرنسي. استثنت معاهدتا سيـﭭر ولوزان الموقعتان بين الحلفاء والجهة التركية السنجق من أراضي الجمهورية التركية المؤسسة على أنقاض السلطنة واعترف مصطفى كمال بسوريّة اللواء في معاهدة لوزان. قضت معاهدة فرنسية- تركية موقعة في 20 ت1 1921 بإعطاء السنجق إستقلالاً ذاتياً فبقي كذلك حتى 1923. في 1923 ألحق اللواء بدولة حلب وفي 1925 بالانتداب على سوريا مع وضع إداري خاص.
كان سكان اللواء متعددي الطوائف والإتنيات فكان يضم مسلمين سنة ممن ينطقون بالعربية ومن ينطقون بالتركية ومن ينطقون بالكردية ومن ينطقون بالتركمانية إلى جانب طائفة العلويين الموزعة بين ترك وعرب والمسيحيين من روم أرثوذكس وأرمن وروم كاثوليك وموارنة وسريان، واليهود. بالنسبة إلى الأكثرية، من المعلوم كما في المناطق السورية أن سكان المدن(المدينيين) من كل الطوائف كانوا يتكلمون العربية نظراً إلى التطور التاريخي منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام الذي أحل العربية محل اليونانية في المدن، أما سكان القرى الريفية فبحسب انتمائهم الإتنيّ أي إما اللهجة المحلية أو البلدية(عربية خلفت الأرامية واحتفظت بعدد من مفرداتها وتراكيبها) أو التركية أو الأرمنية أو الكردية أو التركمانية أو العربية البدوية. وبطبيعة الحال إذا جمعنا أهل المدن الناطقين بالعربية السورية إلى القرويين المحليين تكون لنا أكثرية من الناطقين بالعربية من الطوائف المختلفة. لكننا نلفت هنا إلى نقطة مهمة تفيد لفهم المشكلة وهي أن التمييز اللغوي عند المسلمين هو أمر نسبي ولا يعني فرقاً قومياً بالضرورة. فوجهاء المسلمين من كبار المالكين كانوا يتكلمون اللغة العثمانية(التي تحولت تركية) والعربية البلدية وهم يشبهون مسلمي طرابلس الشام وبيروت وصيدا والقدس وحلب ودمشق وباقي مدن الشرق العثماني الكبيرة السنّية الذين كانوا مواطنين عثمانيين وهم من أصول عدة من أهمها العنصر التركي وهذا يبرز في أسماء بعض الأسر، مع أن عامتهم في بلاد الشام كانت تستعمل اللغة الرائجة وهي العربية الشامية البلدية. تحزب جزء من هؤلاء للحركة القومية التركية فيما تحزب الجزء الآخر للحركة القومية العربية، إلا أن الغلبة كانت للقوميين الأتراك نظراً إلى القرب الجغرافي مع الدولة الكمالية ومساعي هذه الأخيرة في اتجاه التتريك والضم.      
إعتبر مصطفى كمال اللواء أرضاً تركية. في 1936 على أثر الانتخابات البرلمانية وحدوث اضطرابات احتجت الحكومة التركية أمام عصبة الأمم مدعية بأن أكثرية سكان اللواء من الترك. أعطي السنجق استقلالا ذاتياً في 1937 بتسوية قامت بها العصبة فأضحى "متميزاً من الانتداب الفرنسي على سوريا غير منفصل عنه" من الناحية الدبلوماسية مرتبطاً بفرنسا وتركيا معاً من حيث الدفاع.
في 29 أيار 1937 اتفق مصطفى كمال مع الفرنسيين على جعل الإسكندرونة دولة مستقلة. في 2 أيلول 1938 أعلن المجلس التمثيلي جمهورية هَتاي التي استمرت سنة تحت حكم عسكري فرنسي- تركي مشترك. في 23 حزيران 1939 نُظِّم استفتاء شعبي جعل من هَتاي محافظة تركية. يوصف هذا الاستفتاء بالمغشوش في أمره إذ غض الفرنسيون النظر عن المخالفات التي شابته لاسترضاء الأتراك مقابل عدم انحيازهم إلى هتلر. نقلت الحكومة التركية عشرات آلاف الأتراك من أراضيها إلى اللواء للمشاركة في الاستفتاء بدعوى أنهم من أصل إسكندروني انتقلوا إلى تركيا لتأمين معيشتهم. 
ضمت الحكومة التركية أقضية من المحافظات المجاورة إلى هَتاي بغية تعزيز العنصر التركي. وخُيّر السكان في غضون ستة أشهر بين أن يصيروا مواطنين أتراكاً أو أن يهاجروا ويكتسبوا الجنسية السورية أو اللبنانية. منح من يختار الهجرة مهلة 18 شهراً لجمع ممتلكاته والالتحاق بدولته الجديدة. هجر نحو نصف المسلمين العرب ومسيحيون كثيرون (من بينهم أرمن عنجر في البقاع وأصلهم من قرى جبل موسى الذين تحصنوا فيه وسطروا صموداً بطولياً مدة شهر ونصف الشهر في وجه القوات التركية إبان إبادة 1915).
إعتبرت الحكومة السورية سلخ لواء الإسكندرونة عن سوريا مخالفة ارتكبتها فرنسا على الانتداب الذي ائتمنتها عليه عصبة الأمم. ولم تعترف بنتائج استفتاء العام 1939 الذي اعتبرته مزوراً نظراً إلى أن إحصاءات عصبة الأمم للعام 1938 كانت تدل على أن العنصر التركي لم يكن يتجاوز نسبة 46%. لم تعترف الحكومة السورية حتى الآن بهَتاي جزءًا من الأراضي التركية ولا تزال الخرائط الرسمية تشملها في الأراضي السورية.
تجدر الإشارة إلى أن معاهدة لوزان حفظت حقوق الأقلية المسيحية التعليمية بما في ذلك حقها بتعليم اللغة التقليدية(ومنها العربية) لأبناء الطوائف المسيحية ولا تزال مفاعيلها سارية حتى اليوم.

 
فليكس عطالله