العودة إلى الحدث
2015-11-05
إمتيازات وضمانات
إمتيازات وضمانات
كان مؤسس حزب الكتائب اللبنانية يقول إن ما أعطاه دستور الاستقلال للمسيحيين لم يكن امتيازات بل ضمانات.
هذا الموقف جاء لتلطيف حدة الاعتراض الداخلي على الصلاحيات التي كان يتمتّع بها رئيس الجمهورية.
وكان السياسيون يعلمون آنذاك، أن مسألة المُشارَكة في الحكم مرت بأزماتٍ عدة عطّلت السلطة الإجرائية كلما اعترض رئيسُ حكومةٍ على قرارٍ تنفيذي ما واعتكف من دون استقالة. كما كانوا يعلمون إن أيَّ قرارٍ من هذا النوع لا يصبح ساري المفعول إلا بعد توقيع رئيسَي الجمهورية والحكومة والوزراء المُختصّين عليه، باستثناء قرار قبول استقالة الحكومة.
مع اتفاق الطائف، لبث القرار التنفيذي قيد الاعتبار نفسه، لكن السلطة التنفيذية آلت إلى مؤسسة مجلس الوزراء، وصار رئيس الجمهورية رئيس الدولة، له وحده حق الإشراف على تخريج التسويات في الدولة، بما يلتزم بالدستور من زاوية ائتمانه عليه وعلى استقلال لبنان وسيادته واستقراره.
وهذه أيضًا ضمانات للمسيحيين، إذا أردنا استعارة كلام الشيخ بيار الجميل وموقفه.
بالأمس، نفى رئيس الكتائب الحفيد، أن تكون الكتائب قد مُثِّلت في مداولات الطائف، وأن يكون رئيس الحزب آنذاك الدكتور جورج سعادة قد "مثّلنا" هناك!
نفهم من ذلك أن شرعية الكتائب مُرتبِطة بوجود أحد أبناء المؤسس أو أحفاده على رأسها، بحيث أن لا شرعية لأيِّ سلطةٍ فيها منذ انتهاء ولاية الدكتور إيلي كرامة حتى تسلُّم الرئيس أمين الجميل الرئاسة فيها.
نتوقّف هنا عند نقطتَين:
  • الأولى رفض سامي الجميل إستمرارية السلطة في الحزب، طالما كانت تُعارِض ما يراه صائبًا لهذا الحزب. وفي الأمر خطورة، إذ إن ذلك يربط المسؤولية القيادية بالولاء للعائلة، أيًّا كانت الظروف التي جرت فيها الانتخابات الحزبية. وهو يُسقِط المفهوم المؤسسي عن الحزب واستمرارية القرار فيه. ولنا أكثر من مثال على ذلك، من مؤسسات الدولة اللبنانية، خلال زمن الهيمنة السورية على قرارها.
  • الثانية أن اتفاق الطائف حظي بضوءٍ أخضر من بكركي، انضمّ إليه حزب الكتائب ومعظم النواب المسيحيين الذين شاركوا في الطائف والقوات اللبنانية. ولم يكن الهدف منه إنهاء الحرب فقط، بل والانطلاق في إعادة بناء الدولة وفق صيغةٍ جديدة للمُشارَكة في الحكم. وكان يُفترَض بالحفيد التحري لمعرفة حقيقة الأسباب التي دفعت هؤلاء كلّهم إلى الاقتناع بجدوى الطائف.
هذه الصيغة بالغ الأطراف غير المسيحيين في الإفادة منها، وحتى التمدُّد نحو الحصة المسيحية فيها، فيما غرق معظم المسيحيين في رثاء "الضمانات" الإستقلالية، وغاب عن إدراك رؤساء الجمهورية ما بعد الطائف ما هو واجبهم الفعلي في قصر بعبدا، فتلهَّوا بقشور الرئاسة عن جوهرها، وهو أن يتحوّلوا جوهرجية أيِّ تسويةٍ في القرار الوطني، وكلُّ قرارٍ وطني في لبنان، هو تسوية حكمًا، أو يؤول إلى حالٍ نزاعية ثم عنف.
لا يُريد زعماء الموارنة، في أغلبهم، القبول بصلاحية رئيس الدولة، وهي صلاحية الصلاحيات كلّها، ويُفضِّلون المطالبة المكشوفة أو المستورة بالعودة إلى صلاحيات ما قبل الطائف، المُقيَّدة بسلسلةٍ من التواقيع، فضلاً عن الحَرَن والاعتكاف، وبالرئيس "القوي" بطائفته، لا بالميثاق والدستور، وبدعم اللبنانيين لمؤهلاته وأخلاقياته. تمامًا كما هي الحال لدى السُّنّة والشيعة والدروز اليوم عبر مُمثِّليهم. أي بدلاً من اجتذاب كلّ اللبنانيين إلى ساحة الدولة، يودّ زعماء مسيحيون كُثُر الإلتحاق بساحة الطوائف مقابل ساحة المذاهب.
إتفاق الطائف ليس كتابًا مُنزَلاً. إنه صنع بشر، ولهؤلاء كلّ الحق بحسن تحويله دستورًا، وبحسن تطبيقه، وبحسن تعديله بما تُوجِبه التجربة وتطوُّر الحياة، في خدمة الصالح العام.
هذا ما لم يُقبِلْ عليه أحد ممَّنْ مارسوا الشأن العام ومارسوا المسؤولية العامة منذ العام 1990. يتساوى في ذلك المسيحيون والمسلمون.
وما يُؤسَف له فعلاً، أن يظلّ الخطاب السياسي عندنا، يُمعِن في النزاعية، وكأن الحرب لم تُعلِّمِ الشهود عليها شيئًا، ولا الآتين بعدهم ممَّنْ لم يعرفوا معنى القلق والخوف ومحاذاة الموت كلّ ثانية، ورؤيته جمودًا في أجساد الشهداء، وحزنًا عميقًا في عيون الأحبة.
وكأن تاريخ لبنان ليس منارةَ دربٍ في دروسه وعِبَره، حتى نُدير له الظهر، ولا نقرأ في سلبياته وإيجابياته ما يمدّ لبنان بالمنعة، وشعبه بالأمن والاستقرار اللذين يستحقهما.