العودة إلى مؤتمر "شرعة العمل السياسي"
2009-03-05،
قراة في "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"
النائب غسان مخيبر

مداخلة ثانية 

قراة في "شرعة العمل السياسي 

في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"

 

يروى عن رئيس حكومة بريطانيا الراحل ونستون تشرتشل انه كان يلقي خطابا في مجلس العموم وكانت تقاطعه سيدة وهي تخاصمه في السياسة، ثم صاحت بوجهه قائلة: "لو كنت زوجتك لدسست لك السم في قهوة الصباح"؛ فاجابها: سيدتي، لو كنت زوجك لشربت السم بكل سرور".

 

اين نحن في لبنان اليوم من هذا النموذج في التخاطب الساخر والراقي، اذ نشهد ان الخطاب السياسي العام لدى العديد من الناس واهل السياسة، خاصة في حمأة الإنتخابات النيابية المقبلة، مليئ بالسموم الكلامية والتشنجات، وبالضباب في المضمون والرؤيا، ومليئ بالتعبير عن اسوأ الهواجس اذا فاز هذا او فشل ذاك، الى حد بات الناس، لا سيما الشباب منهم، تائهين في سياسة الداخل ومشاريع هجرة الى الخارج الرحب، يعتبرون ان ما بينهم وبين السياسة المتبعة تقليديا في لبنان والعديد من السياسيين هوة لا تردم.

 

فتأتي "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" ("الشرعة") التي نتحلق حول ولادتها اليوم، لتجلب الى النقاش العام خطابا يبدو عمره عمر الأزل التي تمثل قيمه الكنيسة، فتذكر من نسي او تناسى "أن السياسة فن شريف لخدمة الإنسان والخير العام"، ولتسعى عبر هذا النص المكثف الى "ان توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية عامة بابعادها الروحية والخلقية والإجتماعية والوطنية، وان تضع اهل السياسة امام مسؤولياتهم وواجباتهم، كما انها تحدد المعايير التي توجه المواطنين في اختيار ممثليهم في الجماعة السياسية ومحاسبتهم ومساءلتهم."

 

اود ان اقدم لكم اليوم قراءة اولية للنص من منطلقي السياسي العلماني، المسيحي المؤمن، ومن زاوية توضيح كيفية تلقف من مثلي لهذا النص، في موضوعان هامان تطرقت اليهما الشرعة، هما: توضيح العلاقة بين الكنيسة والدولة وقواعد الآداب والسلوكيات السياسية.

 

أولا:     الشرعة بما تضمنته من توضيح للعلاقة بين الكنيسة والدولة

استعرضت الشرعة بشكل مسهب (بالنسبة لحجم المستند) ومقتضب (بالنسبة لحجم المادة بالذات) تعليم الكنيسة في موضوع يطرح الكثير من التساؤلات والنقاشات العامة في لبنان اليوم، الا وهو علاقة الدين بالدولة، والكنيسة بالسياسة. فاوضح النص التمايز والتعاون بين مؤسستين لطالما اثارتا في الغرب كما في لبنان، مسائل في منافستهما على ادارة شؤون نفس الجماعة. اما ابرز ما ورد في الشرعة بهذا الموضوع، فهو ما يلي:

"بين الكنيسة والدولة تمايز واستقلالية. ولئن تلاقيا في خدمة الانسان والمجتمع  والخير العام، فانهما تتمايزان في الصيغة والهيكلية والوسائل.

يقتضي احياء لبنان ان تنشأ دولة مدنية ديموقراطية حديثة بالشروط التالية: التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، فلا الدين يُسيَّس، ولا الدولة تعتدّ بالدين.

يوجب الفصل بين الدين والدولة قيام دولة مدنية تحترم الاديان وتصون حرية المعتقد والعبادة، فيما تتولى هي دون سواها ادارة الشأن السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري.

اما الكنيسة فـ "تعطي (...) حكمها الادبي في جميع الشؤون، بما فيها الشأن السياسي، عندما تقتضيه حقوق الشخص البشري الاساسية وكرامته وخلاص النفوس."

هذا من حيث مبدأ الفصل والتمايز في الأدوار ووجوب بناء الدولة المدنية. لكن الشرعة، في كل من القسم الخاص "بلبنان الوطن والخصوصية" وفي القسم الأخير المتعلق "بالمعايير للإنتخاب وللمحاسبة والمساءلة"، تطرقت الى تحديد مواقف مبدئية في السياسة، كان العديد منها مجرد تأكيد على مبادئ واحكام اساسية في الدستور، والعديد الآخر تأكيد على ما يمكن اعتباره من المسلمات الوطنية التي دأبت الكنيسة المارونية بشكل خاص، وبعض الكنائس الأخرى، على التعبير والدفاع عنها عبر الأجيال، لا بل العصور. وان كان تحديد هذه المواقف لا يمكن ان يثير اية اشكاليات تذكر، يبقى لنا بعض التساؤلات يجب طرحها اليوم بصيغة اولية، وهي تحتم استكمال الحوارات حولها لتوضيحها:

1 -    تشير الشرعة (المادة 7) انه "يجب ان يقوم تعاون [بين الكنيسة والدولة] على قاعدة التفاهم، والاحترام المتبادل والتكامل، بالتنسيق والتخطيط المشترك، والتضامن المسؤول". فان كانت المبادئ الأولى مفهومة، فكيف يمكن التوفيق بين مبدا الفصل والحاجة المعلنة الى "التخطيط المشترك"؟ 

2 -    تشير الفقرة 12 من تمهيد الشرعة ان "[الكنيسة] لا تقبل [بعلمنة الدولة] اذا كانت تعني ارادة الدولة في عدم الخضوع لاي سلطة معنوية اعلى، وفي الاعتراف فقط بمصلحتها كقاعدة لعملها". بناء عليه، ومع الإقرار بأهمية اخضاع السياسة والتشريع الى مبادئ وقواعد معنوية وادبية، نتساءل: ما المقصود بعبارة السلطة؟ هل هو نظام للقيم او مؤسسة دينية؟ اي مصير للدولة المدنية، وهي المبنية على سيادة الشعب المعبّر عنها في القانون الوضعي، اذا ما اعتمد هذا الموقف القائل باخضاع الدولة الى سلطة معنوية اعلى؟ واي مصير لها ايضا اذا قامت طوائف او مذاهب اخرى، هي اصلا لا تقيم الفصل المبدئي مثل الكنيسة بين الديني والدنيوي، وطالبت لنفسها بسلطة معنوية اعلى من الدولة في شؤون السياسة والتشريع؟ 

3 -    لم تحدد الشرعة موقفا من ما يتضمنه مفهوم الدولة المدنية، لجهة احكام الدستور التي توجب في هذا الإطار الغاء الطائفية السياسية وانشاء مجلس الشيوخ، او حتى من امكانية اعتماد الدولة المدنية النظام المدني الإختياري للأحوال الشخصية مع الإبقاء على كافة الأنظمة الطائفية للأحوال الشخصية.

4 -    تضمنت الشرعة مواقف للكنيسة في مواضيع سياسية هي حاليا موضع مناقشة، وبعضها موضع خلاف بين السياسيين انفسهم، لا تتعلق بالمبادئ العامة وحسب، بل بتفاصيل كيفية ادارة الدولة، ومنها المواضيع التالية:

أ -    مفهوم "العمل على تحييد لبنان" الذي يحتاج الى توضيح اكثر مما ورد في الفقرة 24 – ب الممهدة والمفسرة للشرعة.

ب -    مفهوم ان تشترط الشرعة بالمرشح للنيابة في لبنان "ان يسعى الى تطوير [الصيغة] وصولا الى تأمين الحرية والإستقرار والإزدهار". 

ج -    مفهوم "ان يكون [المرشح] مؤمنا بالديمقراطية السليمة ويمارسها"، علما ان الشرعة اوضحت ان "الديمقراطية في لبنان (...) تعددية توافقية"، "كما تعتمد الاعتراف بالآخر وبوجود اكثرية واقلية تعملان وفقاً للاصول الديموقراطية وتداول القيادة السياسية. تكون الديموقراطية تنافسية ضمن الجماعة المتجانسة طائفياً، وتوافقية ضمن المجتمع الاوسع والمتنوع طائفياً، كما هي الحال في خصوصية لبنان".

بناء عليه، ما هو المعيار الذي يمكن استعماله لتحديد المواضيع الوطنية المبدئية التي يجوز للكنيسة ابراز موقفها السياسي بشأنه، ومستوى التفصيل المتعلق بهذه المبادئ او بغيرها من المواضيع السياسية التفصيلية التي لا يجوز للكنيسة اتخاذ موقف بشأنها؟.

ثانيا:    الشرعة بما تضمنته من قواعد آداب وسلوكيات سياسية

تبرز خصوصية واهمية الشرعة في جميع الأحكام الخاصة بالأخلاقيات والسلوكيات السياسية. فاذا كان العديد من الأحزاب والتيارات السياسية قد صاغ بيانات او شرعات ذات مضمون سياسي ووطني، فان هذه الشرعة الصادرة عن الكنيسة تنفرد بتضمنها عدد كبير من المبادئ الأخلاقية والسلوكية، بما يمكن ان يشكل شرعة اخلاقيات سياسية، اذا ما جمعت ونسقت المبادئ والأحكام من الفقرات والمواد العديدة التي تضمنتها. وكنت تنميت لو ان هذا القسم من الشرعة طور احكاما سلوكية وادبية اكثر بالنسبة لتعامل المرشحين مع بعضهم البعض في زمن الإنتخابات وحملاتها. 

وبالعودة الى الشرعة، يمكن ان نستخرج منها في موضوع الأخلاقيات والسلوكيات ابرز الأحكام التالية:

(المادة 5) "... يؤدي المسؤولون المدنيون هذه الواجبات [السياسية] بتجرد وشفافية وخلقية، بروح الخدمة المقرونة بالمناقبية والكفاءة والفعالية، بعيداً عن التسلّط والالتباس والفساد."

(المادة 6) "... وتمارس [السلطة السياسية] التنافس الديموقراطي من خلال برامج اقتصادية واجتماعية وانمائية تؤمن خير المواطنين، دونما صدام او تخوين."

(المادة 13): ينبغي ان تتصف ممارسة المسيحيين للسلطة السياسية بالميزات التالية:

تعاطي الشؤون الزمنية باستلهام ضميرهم المسيحي، والجمع بين موجبات العمل السياسي والمبادىء الاخلاقية، ووحدة الحياة بالتناغم بين الروحي والانساني.

 روح الخدمة المتجردة والسخية، المتصدّية للاغراءات والمناورات الخسيسة والكذب واختلاس اموال الدولة واستعمال اساليب غير شرعية وغير اخلاقية للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها والتوسع فيها باي ثمن.

ج- التحلّي بالقيم الانجيلية والانسانية ولاسيما بساطة العيش، والتفاني في سبيل الخير العام، والحب التفضيلي للفقراء، وروح الغيرة والتضحية.

د- التزام قضية السلام وجعله ثمرةً للعدالة ونتيجةً لانماء الشخص والمجتمع، وتوطيده  على اسس الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية، مع نبذ العنف والارهاب وعسكرة السياسة.

ه- المصالحة والغفران (...)

و- تعزيز الديموقراطية القائمة على الشريعة الاخلاقية المتأصلة في طبيعة الشخص البشري، وعلى اخضاع المصالح الخاصة والفئوية للصالح العام، وعلى ممارسة واجب المساءلة والمحاسبة تجاه المسؤولين المدنيين.

(المادة 26): في تحديد صفات المرشح الذي على الناخب ان يختاره "من هو الأصلح من حيث روح الخدمة المقرونة بالكفاءة والفعالية، والتحلي بالقيم الإنسانية والإنجيلية، والغيرة على الصالح العام والتجرد من المصالخ الشخصية والفئوية."

(المادة 30): يلتزم كل مرشح الروح الديمقراطية الأصيلة، فيقبل بنتائج الإنتخابات ويحترم ارادة الناخبين وحريتهم، ويبادر الى تهنئة الفائزين.

اما القيمة الإلزامية لهذه القواعد الأخلاقية، اسوة بسائر القواعد والمبادئ المعلنة في الشرعة، فهي ذات قيمة ادبية ومعنوية، تعليمية وتثقيفية. وقد اكتفت الشرعة، تبعا لقيمتها هذه بالتوضيح في الخاتمة "أن الكنيسة في لبنان تنشر هذه الشرعة لتنوير العقول وايقاظ الضمائر وتنقية النفوس، آملة من الجميع التقيد بها لتصويب ممارسة السياسة ...". 

نعتبر بانه على السياسيين والدولة اللبنانية المدنية تلقف هذه التجربة التي تطلقها الكنيسة، لتطور في القوانين والممارسة الوطنية الجامعة في لبنان نظام متكامل وفعال للأخلاقيات او السلوكييات السياسية، المبني على ثلاث مستويات: اولها: شرعة آداب سياسية للنواب والوزراء؛ ثانيها: قوانين تنفيذية تكافح ممارس