العودة إلى مؤتمر "شرعة العمل السياسي"
2009-03-05،
تقديم شرعة العمل السياسي
المطران بشاره الراعي

 

    لماذا شرعة العمل السياسي؟ من اين الفكرة وكيف تحققت؟ ما قيمتها وما هو دورها؟ وما آلية عملها؟

    اُسارع في الجواب الإساسي: " الشرعة" هي عطية الروح. ولدت الفكرة في الرياضة الروحية السنوية التي جمعت صاحب الغبطة والنيافة السيد البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير والسادة أساقفة الكنيسة المارونية، في الإسبوع الأول من حزيران 2008.

    

الفكرة

فيما كنا نحمل هموم وطننا وشعبنا، في جو من الصلاة والتأمل، زارنا في منتصف الرياضة سيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي، ليقول أن الكل يتطلع الى الكنيسة في الظرف الوطني العصيب لتنير الدرب بالكلمة الإنجيلية وبالمسؤولية الراعوية.

    تألفت لجنة من أربعة مطارنة، ووضعت تصوّراً ناقشه الآباء واقرّوه من بين مقررات السينودس الذي ينعقد مع اسبوع الرياضة الروحية. وكانت احدى نقاطه الاساسية" وضع شرعة للعمل السياسي"، وقد راحت الحياة السياسية تنحرف عن غايتها بسوء ممارستها. فكان لا بدّ من التصويب وتثقيف الضمائر. وكان المجمع البطريركي الماروني قد اوصى في النص التاسع عشر: الكنيسة المارونية والسياسة " بوضع شرعة للعمل السياسي على قاعدة القيم الانسانية والانجيلية". كما أن التوصية نفسها اتت من الدورة المشتركة لكنائس لبنان الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والإنجيليّة التي انعقدت في آذار 2008.

تحقيق الفكرة

مرّ تحقيق الفكرة بثلاث مراحل: في الاولى، كتبت اللجنة الاسقفية مشروع النص الاول؛ في الثانية، رأت الحاجة الى توسيعها بضم خمسة اشخاص مدنيين يمثلون وجهات نظر متنوعة، والى التعاون مع المركز الماروني للتوثيق والابحاث بشخص مديره . فتحدد اطار مضمون الشرعة وراح العمل يتواصل في اجتماعات دورية شبه شهرية من تموز الى آخر تشرين الاول انطلاقاً من مشروع النص الاول حتى خرج في شكله النهائي؛ في المرحلة الثالثة، قُدّم النص الى غبطة السيد البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، رئيس مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان للإطلاع والموافقة، هو الذي سبق ووجّه مسار العمل في اجتماع خاص مع اللجنة. ثم ارتأت اللجنة ان تخرج الشرعة باسم الكنيسة ككل في لبنان. فوزّعت النص على اعضاء اللجنة المشتركة لكنائس لبنان، لاخذ رأيهم وطلب ملاحظاتهم. اعطيت مهلة شهرين تقريباً لهذه الغاية. اتت الأجوبة بالموافقة على النص النهائي مع بعض الملاحظات عليه، فعُمل بها جميعها. بعد ذلك راحت لجنة الشرعة تعقد اجتماعات متواصلة من منتصف كانون الاول حتى منتصف شهر شباط  الجاري لتنظيم طباعة النص وترجمته الى الفرنسية والانكليزية وترتيب يوم اعلان الشرعة الذي يجمعنا الآن في قصر المؤتمرات هذا، وقد تولّى هذا العمل المركز الماروني للتوثيق والابحاث مع خبراء وفنيين.

قيمة الشرعة ودورها

تساءلت اللجنة، في سياق اعداد النص، الذي كانت غايته التثقيف حول المفهوم السياسي والممارسة في ضوء تعليم الكنيسة الواسع وخصوصية لبنان من جهة، ووضع شرعة ذات مواد واضحة وقصيرة، بمفهومها الحصري، هل يجب وضع نصين منفصلين، نص خاص بالمبادىء التثقيفية، وآخر خاص بالشرعة ؟ فتمّ الرأي على جمعها بنص واحد، بحيث يأتي قسم مواد الشرعة منبثقاً مباشرة من نص المبادىء الذي يتوسع في المفاهيم ويحدد مراجعها. وهذا ما يبين قيمة الشرعة.

 

وها هي الشرعة بين أيديكم مؤلفة من ثلاثة اقسام:

القسم الاول عنوانه المبادىء حول مفهوم السياسة وممارستها، وفيه ثلاثة فصول: يتناول الاول مفهوم السياسة كفن شريف لخدمة الانسان والخير العام، والثاني العلاقة بين الكنيسة والدولة، والثالث مشاركة المسيحي في الحياة المسيحية ومقتضياتها الاخلاقية.

القسم الثاني عنوانه خصوصية لبنان، يطرح في الفصل الاول خصوصية لبنان كوطن وكيان وقيمة حضارية وميثاق وطني للعيش المشترك مع صيغته، وفي الفصل الثاني يضع آلية لانهاض لبنان والدولة المدنية الديموقراطية.

القسم الثالث عنوانه الشرعة وهي تتألف من 31 مادة تحت ثلاثة عناوين:

 أ- مبادىء عامة

ب- لبنان الوطن والخصوصية

ج- المعايير للانتخاب والمحاسبة والمساءلة.

 

قيمة الشرعة هي انها في قسم المبادىء توجز كل تعليم الكنيسة الواسع والغني والمعمّق في شؤون الاجتماع والتربية والثقافة والانماء والاقتصاد والسياسة، وتضع هذا التعليم مع مراجعه في متناول جميع الناس، ما يسهّل الاطلاع عليه من جهة، وتوجيه الابحاث المعمَّقة فيه للذين يرغبون من جهة اخرى. وقيمة الشرعة في قسم  "خصوصية لبنان" هي ابراز هذه الخصوصية بكل عناصرها، ما يبيّن قيمة هذا الوطن ونموذجيته ودوره في محيطه العربي ووسط الاسرة الدولية. وقيمتها في قسم الشرعة هي جعل المبادىء والخصوصية مواداً ترسم خط التفكير والممارسة.

اما دور الشرعة فهو ان يتثقّف المواطن اللبناني على الفكر السياسي كفنٍّ شريف لخدمة الانسان والخير العام، وان يتثقّف أيضاً رجال السياسة ويتهيأوا لهذا الفن النبيل علميّاً وخلقيّاً وانسانيّاً. فالعمل السياسي، لما له من خطورة، لا يُرتجل بل يحتاج الى فهم وحكمة وحنكة، ورجال السياسة، لما عليهم من مسؤولية تتعلق بمصير وطن وشعب، لا ينبتون كالفطر عند الصبيحة، بل كالزيتون والارز بروح السلام والرفعة والصلابة.
 

4. آلية العمل

آلية العمل بالشرعة تبدأ بهذا اللقاء الاعلاني الكبير، تُعلن فيه على الرأي العام عبر وسائل الاعلام التي تغطيه مشكورة بكامل وسائلها، صحافة واذاعة وتلفزة. ثم تسهر لجنة الشرعة على تطبيق الخطة التي رسمتها على المستوى الاعلامي والراعوي والتربوي.

على مستوى الاعلام تنظم مع الوسائل الاعلامية المقروءة  والمسموعة والمنظورة ندوات واحاديث وكتابات حول مواضيع الشرعة، تنسّقها اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام.

على مستوى العمل الرعوي، يعنى الآباء والكهنة القادرون بجمع فئات متجانسة من السياسيين والنقابيين والحزبيين والهيئات الاهلية والشباب في خلوات روحية تتناول في جو من الصلاة والتأمل، مواضيع من الشرعة من اجل الشهادة المسيحية وحسن الاداء في الحياة الوطنية لعامة. وفي الرعايا، يُعنى كهنتها ومجالسها الرعائية ومنظماتها الرسولية بترتيب سلسلة من مواضيع الشرعة للتفكير معاً واخذ المبادرات.

على مستوى المدارس والجامعات تُعنى الادارات والاجهزة المختصة بتعزيز التربية الوطنية على الاسس التي تطرحها الشرعة.

نأمل ان تساعد "شرعة العمل السياسي" على ان يتثقف المواطن اللبناني على صعيد المبادىء التعليمية وخصوصيّة لبنان، وأن يتصرّف ويعيش التزامه الشخصي على قاعدة التعدّدية في الوحدة بروح ديموقراطي واع ومسؤول. 

 

شكراً لاصغائكم.

عشتم وعاش لبنان!