تغيير اللغة
المركز الماروني للتوثيق والأبحاث
العودة إلى المؤتمرات
2009-03-05، قصر المؤتمرات - ضبيّه
شرعة العمل السياسي

" من أجل الوطن الرسالة "! بهذا الشعار نفتتح الندوة، ونقف للنشيد الوطني اللبناني!

 نستمع الآن إلى الآنسة جومانا مدوّر، بعد أن تضيء الشمعة التماساً لأنوار الله، تنشد  بصوتها المصلّي "الأبانا"  و"المحبّة" من الكتاب المقدس.

فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ممثلاً بمعالي الوزير الدكتور ابراهيم شمس الدين
صاحب الغبطة والنيافة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الكلي الطوبى ممثلاً بسيادة 
نائبه العام المطران رولان أبو جوده 
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه برّي ممثلاً بسعادة النائب روبير غانم
دولة رئيس مجلس الوزراء السيّد فؤاد السنيورة ممثلاً بمعالي الوزير الدكتور انطوان كرم
سعادة السفير البابوي لويجي غاتي ممثلاً بالمونسنيور توماس حبيب 
سماحة مفتي الجمهوريّة الشيخ محمد رشيد قبّاني ممثلاً بالدكتور محمّد السمّاك
سماحة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام عبد الأمير قبلان ممثلاً 
بفضيلة الشيخ أسد الله الحُرشي
سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن ممثلاً بفضيلة الشيخ الدكتور غندي مكارم
حضرة ممثل فخامة الرئيس أمين الجميّل
سعادة ممثل دولة الرئيس العماد ميشال عون 
أصحاب المعالي والسيادة
أصحاب السعادة النوّاب
حضرة ممثلي القيادات العسكريّة والأمنيّة قائد الجيش، قائد الدرك، مدير عام قوى الأمن 
الداخلي، مدير عام الأمن العام 
قدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات
حضرة ممثلي وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب
حضرة ممثلي الهيئات الإقتصاديّة والنقابيّة والثقافيّة والأمنيّة وممثلي المجتمع المدني  


    أيّها الآباء والأخوات الأفاضل

    أيّها السيّدات والسادة!

    باسم المركز الماروني للتوثيق والأبحاث ورئيسه سيادة المطران سمير مظلوم، وباسم اللجنة المشتركة لكنائس لبنان، أرحّب بكم جميعاً أطيب ترحيب، في مناسبة إطلاق " شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصيّة لبنان ".

    مَن منّا لا يذهله تدني الخطاب السياسي في مجتمعٍ نتباهى بأنه يحمل تراثاتٍ وحضاراتٍ صقلتها وأنضجتها آلاف السنين، وفي وطنٍ نريده رسالةً، ومركزاً عالميّاً لحوار الأديان والثقافات، ونموذجاً لدول الشرق والغرب.

    لقد وُجّهت الدعوة الى جميع الرسميّين ورؤساء الطوائف والأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام وعدد كبير من المسؤولين الروحيّين...، لأنّ طموح المركز الماروني وممثّلي كنائس لبنان أن تساهم هذه الشرعة في إعادة تصويب الخطاب السياسي، وإيجاد قنواتٍ جديدةٍ للحوار ترتكز الى مبادئ واضحة وقيم ثابتة، فيكون لكل مواطنٍ لبنانيّ، على تنوّع الإنتماءات، دورٌ في تحقيق الوطن الرسالة.

    

    أصحاب المقامات، أيّها السيّدات والسادة،

    ليس المتكلّمون في هذه الندوة بحاجة إلى تعريف. لذلك أكتفي بإعطائهم الكلام تباعاً :

        1- يُقدّم لنا الشرعة سيادة المطران بشارة الراعي، راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة ورئيس اللّجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام.

        2- يحدّثنا الآن عن مضمون الشرعة معالي الوزير السابق الأستاذ روجيه ديب.

        3- نستمع، من وحي الشرعة، إلى نشيدين من أداء الآنسة جومانا مدوّر: "يا سيّد الرحمة" و"العبوديّة".

        4- المداخلة الأولى حول الشرعة لمعالي وزير التنمية الإداريّة الدكتور ابراهيم شمس الدين الذي يعرض وجهة نظره في نص الشرعة.

        5- المداخلة الثانية لسعادة النائب غسّان مخيبر.

        6- المداخلة الثالثة للدكتور محمّد السمّاك الذي يعرض وجهة نظره في نص الشرعة.

        7- المداخلة الرابعة للدكتور عبّاس الحلبي.

المركز الماروني للتوثيق والأبحاث واللجنة المشتركة لكنائس لبنان يشكران الذين ساهموا اليوم بمداخلاتهم القيّمة حول الشرعة، والحضور الكريم ويعتبران مشاركتكم جميعاً دعماً كبيراً في إطلاق مسيرة هذه الشرعة، آملين أن يستمر دعمكم وتستمرّ مساهماتكم في بناء الوطن الرسالة !

والشكر بنوع خاص الى إدارة قصر المؤتمرات على استضافتها لهذه الندوة، وللقوى الأمنيّة، ولجميع الذين ساهموا في إعداد هذا الإحتفال وتغطية نفقاته، مع الشكر الكبير لوسائل الإعلام التي تساهم في تعميم مفاهيم هذه الشرعة ونقلها الى المجتمع اللبناني الواسع، ونخص منهم الLBC تيلي لوميير لنقلهما المباشر وقائع هذه الندوة. ونختم بشكر الآنسة جومانا مدوّر التي أضفت على هذا الإحتفال جوّاً مميّزاً ونستمع لها ختاماً تغنّي ابتهالاً من أجل لبنان: "وطن السلام" و"صلّوا أينما كنتم".

 

 

تقديم

شرعة العمل السياسي

المطران بشاره الراعي

    لماذا شرعة العمل السياسي؟ من اين الفكرة وكيف تحققت؟ ما قيمتها وما هو دورها؟ وما آلية عملها؟

    اُسارع في الجواب الإساسي: " الشرعة" هي عطية الروح. ولدت الفكرة في الرياضة الروحية السنوية التي جمعت صاحب الغبطة والنيافة السيد البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير والسادة أساقفة الكنيسة المارونية، في الإسبوع الأول من حزيران 2008.

    

الفكرة

فيما كنا نحمل هموم وطننا وشعبنا، في جو من الصلاة والتأمل، زارنا في منتصف الرياضة سيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي، ليقول أن الكل يتطلع الى الكنيسة في الظرف الوطني العصيب لتنير الدرب بالكلمة الإنجيلية وبالمسؤولية الراعوية.

    تألفت لجنة من أربعة مطارنة، ووضعت تصوّراً ناقشه الآباء واقرّوه من بين مقررات السينودس الذي ينعقد مع اسبوع الرياضة الروحية. وكانت احدى نقاطه الاساسية" وضع شرعة للعمل السياسي"، وقد راحت الحياة السياسية تنحرف عن غايتها بسوء ممارستها. فكان لا بدّ من التصويب وتثقيف الضمائر. وكان المجمع البطريركي الماروني قد اوصى في النص التاسع عشر: الكنيسة المارونية والسياسة " بوضع شرعة للعمل السياسي على قاعدة القيم الانسانية والانجيلية". كما أن التوصية نفسها اتت من الدورة المشتركة لكنائس لبنان الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والإنجيليّة التي انعقدت في آذار 2008.

 

تحقيق الفكرة

مرّ تحقيق الفكرة بثلاث مراحل: في الاولى، كتبت اللجنة الاسقفية مشروع النص الاول؛ في الثانية، رأت الحاجة الى توسيعها بضم خمسة اشخاص مدنيين يمثلون وجهات نظر متنوعة، والى التعاون مع المركز الماروني للتوثيق والابحاث بشخص مديره . فتحدد اطار مضمون الشرعة وراح العمل يتواصل في اجتماعات دورية شبه شهرية من تموز الى آخر تشرين الاول انطلاقاً من مشروع النص الاول حتى خرج في شكله النهائي؛ في المرحلة الثالثة، قُدّم النص الى غبطة السيد البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، رئيس مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان للإطلاع والموافقة، هو الذي سبق ووجّه مسار العمل في اجتماع خاص مع اللجنة. ثم ارتأت اللجنة ان تخرج الشرعة باسم الكنيسة ككل في لبنان. فوزّعت النص على اعضاء اللجنة المشتركة لكنائس لبنان، لاخذ رأيهم وطلب ملاحظاتهم. اعطيت مهلة شهرين تقريباً لهذه الغاية. اتت الأجوبة بالموافقة على النص النهائي مع بعض الملاحظات عليه، فعُمل بها جميعها. بعد ذلك راحت لجنة الشرعة تعقد اجتماعات متواصلة من منتصف كانون الاول حتى منتصف شهر شباط  الجاري لتنظيم طباعة النص وترجمته الى الفرنسية والانكليزية وترتيب يوم اعلان الشرعة الذي يجمعنا الآن في قصر المؤتمرات هذا، وقد تولّى هذا العمل المركز الماروني للتوثيق والابحاث مع خبراء وفنيين.

 

قيمة الشرعة ودورها

تساءلت اللجنة، في سياق اعداد النص، الذي كانت غايته التثقيف حول المفهوم السياسي والممارسة في ضوء تعليم الكنيسة الواسع وخصوصية لبنان من جهة، ووضع شرعة ذات مواد واضحة وقصيرة، بمفهومها الحصري، هل يجب وضع نصين منفصلين، نص خاص بالمبادىء التثقيفية، وآخر خاص بالشرعة ؟ فتمّ الرأي على جمعها بنص واحد، بحيث يأتي قسم مواد الشرعة منبثقاً مباشرة من نص المبادىء الذي يتوسع في المفاهيم ويحدد مراجعها. وهذا ما يبين قيمة الشرعة.

 

وها هي الشرعة بين أيديكم مؤلفة من ثلاثة اقسام:

 

القسم الاول عنوانه المبادىء حول مفهوم السياسة وممارستها، وفيه ثلاثة فصول: يتناول الاول مفهوم السياسة كفن شريف لخدمة الانسان والخير العام، والثاني العلاقة بين الكنيسة والدولة، والثالث مشاركة المسيحي في الحياة المسيحية ومقتضياتها الاخلاقية.

 

القسم الثاني عنوانه خصوصية لبنان، يطرح في الفصل الاول خصوصية لبنان كوطن وكيان وقيمة حضارية وميثاق وطني للعيش المشترك مع صيغته، وفي الفصل الثاني يضع آلية لانهاض لبنان والدولة المدنية الديموقراطية.

 

القسم الثالث عنوانه الشرعة وهي تتألف من 31 مادة تحت ثلاثة عناوين:

 أ- مبادىء عامة

ب- لبنان الوطن والخصوصية

ج- المعايير للانتخاب والمحاسبة والمساءلة.

 

قيمة الشرعة هي انها في قسم المبادىء توجز كل تعليم الكنيسة الواسع والغني والمعمّق في شؤون الاجتماع والتربية والثقافة والانماء والاقتصاد والسياسة، وتضع هذا التعليم مع مراجعه في متناول جميع الناس، ما يسهّل الاطلاع عليه من جهة، وتوجيه الابحاث المعمَّقة فيه للذين يرغبون من جهة اخرى. وقيمة الشرعة في قسم  "خصوصية لبنان" هي ابراز هذه الخصوصية بكل عناصرها، ما يبيّن قيمة هذا الوطن ونموذجيته ودوره في محيطه العربي ووسط الاسرة الدولية. وقيمتها في قسم الشرعة هي جعل المبادىء والخصوصية مواداً ترسم خط التفكير والممارسة.

 

اما دور الشرعة فهو ان يتثقّف المواطن اللبناني على الفكر السياسي كفنٍّ شريف لخدمة الانسان والخير العام، وان يتثقّف أيضاً رجال السياسة ويتهيأوا لهذا الفن النبيل علميّاً وخلقيّاً وانسانيّاً. فالعمل السياسي، لما له من خطورة، لا يُرتجل بل يحتاج الى فهم وحكمة وحنكة، ورجال السياسة، لما عليهم من مسؤولية تتعلق بمصير وطن وشعب، لا ينبتون كالفطر عند الصبيحة، بل كالزيتون والارز بروح السلام والرفعة والصلابة.

4. آلية العمل

آلية العمل بالشرعة تبدأ بهذا اللقاء الاعلاني الكبير، تُعلن فيه على الرأي العام عبر وسائل الاعلام التي تغطيه مشكورة بكامل وسائلها، صحافة واذاعة وتلفزة. ثم تسهر لجنة الشرعة على تطبيق الخطة التي رسمتها على المستوى الاعلامي والراعوي والتربوي.

 

على مستوى الاعلام تنظم مع الوسائل الاعلامية المقروءة  والمسموعة والمنظورة ندوات واحاديث وكتابات حول مواضيع الشرعة، تنسّقها اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام.

 

على مستوى العمل الرعوي، يعنى الآباء والكهنة القادرون بجمع فئات متجانسة من السياسيين والنقابيين والحزبيين والهيئات الاهلية والشباب في خلوات روحية تتناول في جو من الصلاة والتأمل، مواضيع من الشرعة من اجل الشهادة المسيحية وحسن الاداء في الحياة الوطنية لعامة. وفي الرعايا، يُعنى كهنتها ومجالسها الرعائية ومنظماتها الرسولية بترتيب سلسلة من مواضيع الشرعة للتفكير معاً واخذ المبادرات.

 

على مستوى المدارس والجامعات تُعنى الادارات والاجهزة المختصة بتعزيز التربية الوطنية على الاسس التي تطرحها الشرعة.

 

نأمل ان تساعد "شرعة العمل السياسي" على ان يتثقف المواطن اللبناني على صعيد المبادىء التعليمية وخصوصيّة لبنان، وأن يتصرّف ويعيش التزامه الشخصي على قاعدة التعدّدية في الوحدة بروح ديموقراطي واع ومسؤول. 

 

شكراً لاصغائكم.

عشتم وعاش لبنان!

 

 

 

مضمون

شرعة العمل السياسي

الوزير السابق روجيه ديب

 

مـقــدمـــــة 

تحدد الشرعة، بشكل واضح وصريح، بأن السياسة فن شريف يرتكز على القيم، عقيدة وممارسة، وهي خدمة لا منّـة ولا صدقة، تعنى بالضعيف وشؤونه.

والشرعة صريحة في تشخيصها لعوارض لبنان، فتعترف بأن لبنان بحاجة إلى عملية إعادة إحياء. وبغية إنجاز هذه العملية لا بد من إعادة تقويم للتجربة اللبنانية إنطلاقاً من ثوابت أساسية ثلاث:

ديمومة الكيان اللبناني

قيمة لبنان الحضارية

 

رسالة لبنان الميثاقية - الإنسانية 

تطرح الشرعة تطوير الصيغة السياسية بغية تحقيق فعليّ ومستقر لميثاق العيش المشترك الذي يعطي لبنان فرادته وتميّزه، وذلك بالدعوة داخليّاً إلى إيجاد هيكلية جديدة للدولة مبنية على لامركزية متجددة ومتطورة، تأخذ بعين الإعتبار عبرَ التجربة التاريخية، وتمارس بسياسة مستلهمة لتعاليم الكنيسة الأخلاقية والروحية، وتصان باعتماد سياسة خارجية قائمة، على احترام الإتفاقات الدولية والإبتعاد عن صراع المحاور وتحييد لبنان عنها مع بناء قدراته الدفاعية  ومن جهة أخرى، العطاء الملتزم بالرسالة نحو المحيط.  

على أن تكون أول خطوة في هذا التدرج في التطوير السياسي الوطني التطبيق السليم لاتفاق الطائف والدستور مع السعي الحثيث إلى إزالة إمكانات تعطيل المؤسسات والغموض في النص وعدم التوازن بين المسؤولية والصلاحية، لأن تطبيق الدستور السليم، رغم الشوائب، يبقى الممر الواجب لأي إصلاح مرتجى. 

وتشدد الشرعة أن هذا كله يبقى حبراً على ورق إن لم يع المواطن أولاً حقوقه في المجال السياسي، فيمارس مسؤوليته في حسن اختيار نوابه وكذلك في محاسبتهم بدقة. وثانياً، إن لم يجمع رجل السياسة بين إيمانه بدينه وكنيسته وتعاليمها وممارسته لمسؤولياته العامة فعلاً وقولاً. 

كما تدعو الشرعة إلى التمايز حتى الفصل بين الدين والدولة، وتعود وتكرر احترام الكنيسة لاستقلالية العمل السياسي واعتباره فناً شريفاً وتعترف بأنه "الطريق الصعب لعيش الإلتزام المسيحي في خدمة الآخرين". وهي على احترامها العالي للعمل السياسي، تدعو المواطن إلى المشاركة الفعلية فيه وتحفظ لنفسها، بإسم الإنسان وحقوقه، حق الحكم الأدبيّ على جميع الشؤون وهي تطلب من نفسها ومن الدولة ومن السياسيين احترام قواعد "التمايز والتعاون"  في ما بينهم احتراماً لخصوصية عملهم ورسالتهم وخدمة للإنسان الذي يجب أن يبقى الغاية المحورية لكل الرسالات.

 

تريد هذه الشرعة أن تكون واضحة وعملية وواقعية وجريئة: 

واضحة  في أهدافها وهي توفير ثقافة سياسية عامة بكل أبعادها لكامل الشعب اللبناني 

وعملية عندما تتوجه بكل جرأة إلى أهل السياسة فتوضح للمسؤوليين واجباتهم وتضعهم أمامها وتدعو إلى محاسبتهم على أساسها وتضع أيضاً المواطن أمام مسؤولياته في حسن الإختيار الديمقراطي وواجب المساءلة

واقعية إذ ترى أن الصيغة اللبنانية بحاجة إلى إعادة إحياء وهذا اعتراف برسم كل اللبنانيين ومسؤولية إنجازه مشتركة في ما بينهم وهي تدعو انطلاقاً من أهمية خصوصية لبنان وميثاق العيش المشترك، إلى إعادة إحيائه وتقدم مقترحات جريئة لنجاح هذه العملية. 

تدخل الشرعة في الموضوع في قسمها الأول بإعلان واضح بأن السياسة فن شريف لخدمة الإنسان والخير العام. وتبني الشرعة مفهوم السلطة السياسية على حاجة كل جماعة بشرية إلى "سلطة تنظم شؤونها وتؤمن خيرها العام وتمارس العمل السياسي".. أي أن السياسة لا تتوخى امتلاك السلطة بل الخدمة. والسياسة أيضاً تنبع من نظام العيش الذي وضعه الله للعالم "للعيش بسلام والتفاهم وينعموا بالخير والعدل". ولافت في الشرعة تكرار التركيز على هدف تكريس السلام والإستقرار، وذلك مبني على تعاليم الكنيسة منذ أيامها الأولى وخصوصاً تعاليم بولس الرسول.

وتشدد الشرعة على أهمية العمل السياسي من أجل إنصاف الضعفاء، فتنبه تعاليم الكنيسة، حتى منذ زمنها الأول، أصحاب السلطة بأن ممارستهم لها تخضع لشريعة الله الأخلاقية وأن صاحب السلطة يمارس من ضمنها، مقتنعاً بأن سلطان الله هو أعلى من أي سلطة يمكن له امتلاكها وأن أي استبداد أو تسلط هما مخالفان لهذه الشريعة الألهية. وتذكّـر الشرعة بواجب "اعتراض الضمير" عند تجاوز السلطة لحدودها. وهذا الإعتراض مهم لأن السلطة لا "تمارس ممارسة شرعية إلا إذا سعت وراء خير الجماعة". ومن هنا أيضاً اعتبار الكنيسة بأن السياسة فن شريف، لأن منطلقه الإنسان وغايته الإنسان أيضاً. أي أن الممارسة السياسية الحسنة هي حق من حقوق الإنسان الطبيعية على صاحب السلطة، وهي بامتياز عمل أخلاقي لا يتلاءم مع التسلط والفساد والإلتباس.

وتدخل الشرعة موضوع العلاقة بين الكنيسة والدولة، وهو موضوع حساس عبر التاريخ في لبنان والعالم، تحت عنوان بأن الكنيسة والدولة تتمايزان وتتعاونان. التمايز في طبيعة كل منهما ومساحات خدماتهما ووسائلها، فللدولة طبيعة دنيوية وإمكاناتها مادية ووسائلها قانونية وأمنية وعندها قدرات التنفيذ ومقاومة العصيان. أما الكنيسة فإنها شركة الإيمان والرجاء والمحبة وهي تعمل بوسائل الإرشاد والتثقيف لتثبيت الجماعة البشرية وفق الناموس الإلهي.

والشرعة تدعو إلى استقلال كل من الدولة والكنيسة في مجال عملها الخاص وهي تدعو أيضاً بالتعاون والتفاهم من دون اختلاط، فما لقيصر لقيصر وما لله لله.

إلا أن الكنيسة لا تقبل بأن تفرض الدولة عقيدة معينة تحتوي على مفهوم مادي وملحد، مثلاً كما طبقت العلمنة في بعض الدول، وهي أيضاً لا تقبل بفرض أي عقيدة، ولو دينية، تمنع أو تحـدّ من حرية المعتقد أو أية حرية أخرى ولا تقوم على المساواة في المواطنة. ومن ذات منطلق الدفاع عن الإنسان وحريته وكرامته وسلامته، ترى الكنيسة أنه من حقها، لا بل من واجبها، أن تعطي "حكمها الأدبي" في جميع الشؤون "عندما يقتضي ذلك حقوق الشخص البشري الأساسية وخلاص النفوس". ولكن في المقابل، يظل مجال عمل الكنيسة في توجيه الضمائر، ولا يمكنها أن تتلون بهذا أو ذاك من الألوان السياسية شرط أن يضمن أي نظام، نابع من أي تكوين أو قوة سياسية، للإنسان حقوقه وخيره واستقراره وكرامته في مناخ من الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص.

أما عن المشاركة في الحياة السياسية، فتراها الشرعة حقاً مرتبطاً بكرامة الشخص البشري وهي واجب على أبنائها. وتخاطب الشرعة أصحاب السلطة مباشرة فتضع إطاراً واضحاً لممارسة السلطة وتقول:

ليس هناك فصل بين تصرفهم داخل السلطة والتزامهم بتعاليم الله والكنيسة، فلا يمكن أن يكون المسؤول مسيحياً في ممارسته الشخصية ومتسلطاً أو فاسداً في ممارسته العامة. 

التحلي بروح الخدمة المقرونة بالمناقبية والكفاءة والفعالية

الشهادة للقيم الإنسانية والإنجيلية

التضامن كنهج ووسيلة لسياسة تهدف إلى تنمية بشرية صحيحة

الإلتزام بقضية السلام القائم على العدالة 

المصالحة والغفران، وتنطلق هذه المصالحة من الذات مع الله، إلى مصالحة مع الفقراء والضعفاء، إلى المصالحات السياسية والوطنية 

تعزيز الديمقراطية ولكن على الأسس الأخلاقية الطبيعية حتى لا تقع الفوضى الأدبية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية. وهذه الديمقراطية تقوم على مبادىء هي: الحقيقة، الشفافية في الإدارة العامة وعدم التحيـّز، احترام حقوق الأخصام السياسيين، حماية حقوق المتهمين، الإنفاق العادل للأموال العامة، رفض الوسائل المبهمة وغير الجائزة للوصول إلى السلطة والإحتفاظ بها والتوسع فيها.

وتعترف وتقدر الشرعة صعوبة العمل السياسي وتراجع قول البابا بولس السادس "أن العمل السياسي هو الطريق الصعب لعيش الإلتزام المسيحي في خدمة الآخرين"، لما من ممارستها أخطار حتى على صاحب السلطة نفسه، من الخطر الأمني إلى خطر تأليه الذات حتى الإستبداد والفساد... ويرجع إلى الأذهان هنا القول المأثور للمؤرخ والفيلسوف البريطاني John Knox «بأن السلطة تُـفسد والسلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق».

* * 

كان يمكن أن تقتصر الشرعة على تعاليم الكنيسة في المجال السياسي، ولكنها لم تفعل بل ارتكزت أيضاً في قسمها الثاني على مصدر آخر مهم لتوجيهاتها: وهو خصوصية لبنان. هذا أمر يجب التوقف عنده، لأن الكنيسة في لبنان وعبر التاريخ تمازجت مع هذه الخصوصية اللبنانية ولا نغالي في القول بأنها من أهم صانعيها التاريخيين. ويصعب التفاهم والتعاون مع الكنيسة اللبنانية إلا في ضوء هذين المصدرين أو الحقيقتين: أي تعاليمها الروحية والأخلاقية في الشأن السياسي واندماجها في التكوين والخصوصية اللبنانية؛ وهذه فرادة الكنيسة في لبنان ومن ركائز ديمومة خصوصيته. 

تتبنّى الشرعة ما ورد في مقدمة الدستور اللبناني عن نهائية الكيان وعضوية لبنان في منظمة الأمم وجامعة الدول العربية وأيضاً ما تفرضه على لبنان واللبنانيين من التزامات تجاه بعضهم البعض وتجاه الإتفاقات الدولية المبرمة. 

وتؤكد الشرعة مجدداً على قيمة لبنان الحضارية كونه إرثاً للبشرية فهو مهد ثقافة عريقة، وتلفت إلى كونه "إحدى منارات البحر الأبيض المتوسط" الذي هو اليوم محط أنظار ومساحة التقاء موعودة بين الغرب والشرق، وبين الإسلام والمسيحية وكأن التجربة اللبنانية مطلوب منها ولها أن تتوسع لتصبح بحجم كامل محيط البحر المتوسط؛ فلبنان منطلق للحوار الثقافي بين الشرق والغرب وذلك منذ الزمن البعيد، خاصة بعد إنشاء المدرسة المارونية في روما سنة 1584 والتي أسهمت بشكل مميز في هذا الحوار، وفي نقل علوم الشرق إلى الغرب وبالعكس؛ وللبنان ميزة الديمقراطية التعددية التوافقية، وهي على صعوبتها، والحاجة إلى تطويرها، تبقى، رغم كل شيء، الوسيلة السياسية الوحيدة الممكنة لتنفيذ قدر وقرار المجموعات اللبنانية بتحقيق رسالة لبنان في العيش المشترك ومع المحيط.

ورغم كل الصعوبات، ولأنه قيمة حضارية وصاحب رسالة فريدة، يبقى لبنان علامة رجاء مرفوعة للجميع، عرف الكل قيمتها اليوم والحاجة إليها في ضوء الصراعات الثقافية والمذهبية الكونية والمناطقية، وتعلن الشرعة مجدداً تعلقها بميثاق العيش المشترك الذي أفضى نظاماً متوسطاً بين النظام التيوقراطي الذي يجمع بين الدين والدولة والنظام العلماني الذي يفصل تماماً بينهما. وتأتي الشرعة لتؤكد بشدّة وبإسم هذا الميثاق، "لا للتيوقراطية ولا للعلمنة الملحدة".

أما عن الصيغة نفسها، فهنالك غصة ونوع من خيبة أمل إذ تلاحظ الشرعة بأن هذه الصيغة، بدل أن تكون ترجمة عملية للخصوصية  والإبداع اللبنانيين، انحصرت بتوزيع المسؤوليات العامة على جميع الطوائف وكان يؤمل من هذه الصيغة تأمين استقرار الكيان وتحقيق الديمقراطية وازدهار الإقتصاد "لو تطورت حسب مقتضيات الحداثة والتجربة التاريخية". هذا جزء مهم من الشرعة لأنه يحكم بواقعية على عدم قدرة الصيغة كما طبقت، منذ تأسيس الكيان، على تأمين استقرار الكيان وازدهاره وهي تدعو إلى تطويره، مع الإستفادة من التجربة التاريخية منذ نشأة الكيان، ومن ضرورات الحداثة. نعم، إن الكيان مهدد إذا لم ينتج اللبنانيون صيغة متطورة، والشرعة واضحة بأن هذه هي مسؤولية يحملها المسيحيون والمسلمون معاً أمام الله.

وتذهب الشرعة إلى أبعد من ملاحظة الخطر على الكيان، فتطرح على اللبنانيين ركائز عديدة وجريئة لإعادة إحياء لبنان والدولة المدنية الديمقراطية فيه. وتخاطب الشرعة السلطة السياسية وتدعوها في هذا المجال إلى:

اعتماد آليات للحؤول دون تعطيل المؤسسات الدستورية. وذلك بعدما رأيناه من تعطيل لرئاسة الجمهورية، ومجلس النواب والحكومة في الماضي القريب واليوم، وتعطيل هذه المؤسسات مدخل لتصدع الكيان؛ وهي تدعو أيضاً إلى تحقيق الموازاة بين المسؤوليات العامة والصلاحيات وتعميم المهل الدستورية والقانونية على مستويات القرار كافة، وفي كل هذا دعوة صريحة لدراسة التجربة، وإن في التطبيق المجتزأ، لدستور الطائف وتحصينه وتوضيحه حيث يجب، تلافياً للمآسي التي عاشها الوطن خلال السنوات القريبة الماضية.

تدعو الشرعة إلى الإبتعاد عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية، مع السعي الدؤوب إلى الإنفتاح على المحيط والعالم. وهي تدعو من هذا المنطلق، إلى تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية. 

وتذهب الشرعة في اعتبار تحقيق اللامركزية الإدارية الموسعة أولوية وطنية قصوى وأن اللامركزية، ليست فقط ضرورة إنمائية وإدارية، بل هي سبيل لتأمين فرصة جديدة لبناء الوحدة الوطنية وتأمين الإستقرار عبر تخفيف حدة الصراع على السطلة المركزية. ولعلّ ما نراه ورأيناه حول موضوع تمويل المجالس والصناديق أفضل دليل على ذلك.

تدعو الشرعة إلى تعزيز الحياة الإقتصادية والإجتماعية وإصلاحها عبر تطبيق المبادىء الأخلاقية ومحاربة الفساد والإهتمام بالطاقات الشبابية والإغترابية وتعتبر أن تعزيز مساهمة المرأة في الحياة العامة حافز لترقي الوطن، وهذا ما أثبته التاريخ والتجربة الديمقراطية والإنسانية في العالم.

وتعتبر الشرعة بأن إعادة إحياء لبنان لا تكتمل إلا بإنشاء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تميز بصراحة حتى حدود الفصل بين الدين والدولة، وتتميز بممارسة الديمقراطية بشكل صحيح وبنشر ثقافتها من أجل تأمين تداول السلطة وتجديد النخب السياسية واستمرارية الإصلاح. وعلى هذه الدولة المدنية المنشودة أن توفق بين المواطنة والتعددية، وأن تؤمن حرية المواطن وتعزز دوره في المساءلة والمحاسبة عبر قانون انتخابي يؤمن صحة التمثيل، فلا تطغي أصوات جماعة في انتقاء نواب جماعة أخرى ولا يطبق التنافس الإنتخابي في مكان، والكارتل الإحتكاري الإنتخابي في مكان آخر. فكما الكارتل الإحتكاري ممنوع في الإقتصاد يجب أن يكون ممنوعاً في الديمقراطية لأن الكارتل الإحتكاري الإنتخابي، يجر إلى الفساد والتسلط لعدم إمكانية المساءلة، ويسلب حرية المواطن في الإختيار، وهذا حق أساسي نابع من حريته الشخصية وحقوقه المواطنية، كما هو أيضاً مناقض في بعض جوانبه لميثاق العيش المشترك الذي ينص على احترام المجموعات لحقوق بعضها البعض.

بالإضافة إلى موجبات ومكملات إعادة إحياء لبنان، تنص الشرعة على ثلاث التزامات أخرى مهمة:

تنظيم العلاقات بين الدولة والسلطة الفلسطينية وحل مشكلة السلاح وضبط الوضع الأمني وتدعو الشرعة إلى حل عادل للقضية الفلسطينية يرتكز على قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة يضمن للفلسطينيين العيش الكريم والآمن ويعطيهم حقاً عملياً للعودة. 

كما تدعو الشرعة إلى حصر السلاح في لبنان بالقوى الشرعية وإخضاع المهام الدفاعية والأمنية لقرار السلطة السياسية وحدها وتعزيز القدرات الدفاعية للبنان.

وتدعو الشرعة أيضاً إلى بناء علاقات طبيعية مع سوريا تتميز بالتكافؤ والمساواة والمصالح المشتركة واحترام سيادة كل بلد وحدوده.

وفي آخر قسم من الشرعة ومن أجل أول تطبيق عملي مأمول لها، تتوجه الشرعة إلى ضمير الناخب، ونحن على أبواب انتخابات، لكي:

يختار بحرية ودون إكراه أو إغراء أو غش من هو الأصلح من حيث روح الخدمة المقرونة بالكفاءة والفعالية والتحلي بالقيم الإنسانية والروحية والغيرة على الصالح العام.

يختار من هو مؤهل ثقافياً وأخلاقياً لممارسة السياسة، فهذا اختيار مهم يجب أن تجري عليه مقاييس عملية وأخلاقية وأن لا يكون ناتجاً عن تعصب أو انتماء غرائزي غير مدروس أو عن ردة فعل.

يختار أصحاب النوايا والخبرات الطيبة ومن يراه ملتزماً بإعادة إحياء لبنان كما اقترحته هذه الشرعة و الكثير من اللبنانيين المسؤولين الشرفاء.

وتتوجه الشرعة إلى المرشح، فتطلب منه: 

أن يكون ولاؤه أولاً وآخراً للبنان، وأن يكون مدركاً لخصوصيتة ومستلزماتها محافظاً على سيادته وحرية قراره واستقراره.

أن يكون مؤمناً بالديمقراطية ممارسة لا قولاً فقط وبحقوق الإنسان 

أن يستلهم صوت الله والضمير والخلقية اللازمة من أجل توفير العدالة الإجتماعية

أن يطرح برنامجاً عملياً وواضحاً بالمشاكل وبالحلول، يكون شفافاً تجاه الناخب وأن يلتزم فعلاً هذا البرنامج بعد الإنتخاب

أن يمارس في ترشيحه التنافس الديمقراطي الشريف ويقبل بالنتائج ويبادر إلى تهنئة الفائزين احتراماً منه للناخبين وحريتهم.

وتشدد الشرعة على أن الديمقراطية السليمة مبنية على المحاسبة. إذا لم يكن هنالك مساءلة من قبل المواطنين فليس هنالك إصلاح ممكن ولا ديمقراطية مستقرة ومزدهرة. وهذه المحاسبة، أساس في الإنتقاء بين المرشحين.

وتختم الشرعة بأنها لتنوير العقول وإيقاظ الضمائر وتنقية النفوس ولعل أبلغ ملخص لهذه الشرعة هو مقطع من إنجيل مرقس الذي ختمت الشرعة به: "إبن الإنسان لم يأت لـُيخدم بل ليـَخدم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين".

 

 

 

مداخلة ثانية 

شرعة العمل السياسي

النائب غسان مخيبر

 

 

قراة في "شرعة العمل السياسي 

في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"

يروى عن رئيس حكومة بريطانيا الراحل ونستون تشرتشل انه كان يلقي خطابا في مجلس العموم وكانت تقاطعه سيدة وهي تخاصمه في السياسة، ثم صاحت بوجهه قائلة: "لو كنت زوجتك لدسست لك السم في قهوة الصباح"؛ فاجابها: سيدتي، لو كنت زوجك لشربت السم بكل سرور".

 

اين نحن في لبنان اليوم من هذا النموذج في التخاطب الساخر والراقي، اذ نشهد ان الخطاب السياسي العام لدى العديد من الناس واهل السياسة، خاصة في حمأة الإنتخابات النيابية المقبلة، مليئ بالسموم الكلامية والتشنجات، وبالضباب في المضمون والرؤيا، ومليئ بالتعبير عن اسوأ الهواجس اذا فاز هذا او فشل ذاك، الى حد بات الناس، لا سيما الشباب منهم، تائهين في سياسة الداخل ومشاريع هجرة الى الخارج الرحب، يعتبرون ان ما بينهم وبين السياسة المتبعة تقليديا في لبنان والعديد من السياسيين هوة لا تردم.

 

فتأتي "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" ("الشرعة") التي نتحلق حول ولادتها اليوم، لتجلب الى النقاش العام خطابا يبدو عمره عمر الأزل التي تمثل قيمه الكنيسة، فتذكر من نسي او تناسى "أن السياسة فن شريف لخدمة الإنسان والخير العام"، ولتسعى عبر هذا النص المكثف الى "ان توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية عامة بابعادها الروحية والخلقية والإجتماعية والوطنية، وان تضع اهل السياسة امام مسؤولياتهم وواجباتهم، كما انها تحدد المعايير التي توجه المواطنين في اختيار ممثليهم في الجماعة السياسية ومحاسبتهم ومساءلتهم."

 

اود ان اقدم لكم اليوم قراءة اولية للنص من منطلقي السياسي العلماني، المسيحي المؤمن، ومن زاوية توضيح كيفية تلقف من مثلي لهذا النص، في موضوعان هامان تطرقت اليهما الشرعة، هما: توضيح العلاقة بين الكنيسة والدولة وقواعد الآداب والسلوكيات السياسية.

 

أولا:     الشرعة بما تضمنته من توضيح للعلاقة بين الكنيسة والدولة

 

استعرضت الشرعة بشكل مسهب (بالنسبة لحجم المستند) ومقتضب (بالنسبة لحجم المادة بالذات) تعليم الكنيسة في موضوع يطرح الكثير من التساؤلات والنقاشات العامة في لبنان اليوم، الا وهو علاقة الدين بالدولة، والكنيسة بالسياسة. فاوضح النص التمايز والتعاون بين مؤسستين لطالما اثارتا في الغرب كما في لبنان، مسائل في منافستهما على ادارة شؤون نفس الجماعة. اما ابرز ما ورد في الشرعة بهذا الموضوع، فهو ما يلي:

"بين الكنيسة والدولة تمايز واستقلالية. ولئن تلاقيا في خدمة الانسان والمجتمع  والخير العام، فانهما تتمايزان في الصيغة والهيكلية والوسائل.

يقتضي احياء لبنان ان تنشأ دولة مدنية ديموقراطية حديثة بالشروط التالية: التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، فلا الدين يُسيَّس، ولا الدولة تعتدّ بالدين.

يوجب الفصل بين الدين والدولة قيام دولة مدنية تحترم الاديان وتصون حرية المعتقد والعبادة، فيما تتولى هي دون سواها ادارة الشأن السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري.

اما الكنيسة فـ "تعطي (...) حكمها الادبي في جميع الشؤون، بما فيها الشأن السياسي، عندما تقتضيه حقوق الشخص البشري الاساسية وكرامته وخلاص النفوس."

 

هذا من حيث مبدأ الفصل والتمايز في الأدوار ووجوب بناء الدولة المدنية. لكن الشرعة، في كل من القسم الخاص "بلبنان الوطن والخصوصية" وفي القسم الأخير المتعلق "بالمعايير للإنتخاب وللمحاسبة والمساءلة"، تطرقت الى تحديد مواقف مبدئية في السياسة، كان العديد منها مجرد تأكيد على مبادئ واحكام اساسية في الدستور، والعديد الآخر تأكيد على ما يمكن اعتباره من المسلمات الوطنية التي دأبت الكنيسة المارونية بشكل خاص، وبعض الكنائس الأخرى، على التعبير والدفاع عنها عبر الأجيال، لا بل العصور. وان كان تحديد هذه المواقف لا يمكن ان يثير اية اشكاليات تذكر، يبقى لنا بعض التساؤلات يجب طرحها اليوم بصيغة اولية، وهي تحتم استكمال الحوارات حولها لتوضيحها:

 

1 -    تشير الشرعة (المادة 7) انه "يجب ان يقوم تعاون [بين الكنيسة والدولة] على قاعدة التفاهم، والاحترام المتبادل والتكامل، بالتنسيق والتخطيط المشترك، والتضامن المسؤول". فان كانت المبادئ الأولى مفهومة، فكيف يمكن التوفيق بين مبدا الفصل والحاجة المعلنة الى "التخطيط المشترك"؟ 

 

2 -    تشير الفقرة 12 من تمهيد الشرعة ان "[الكنيسة] لا تقبل [بعلمنة الدولة] اذا كانت تعني ارادة الدولة في عدم الخضوع لاي سلطة معنوية اعلى، وفي الاعتراف فقط بمصلحتها كقاعدة لعملها". بناء عليه، ومع الإقرار بأهمية اخضاع السياسة والتشريع الى مبادئ وقواعد معنوية وادبية، نتساءل: ما المقصود بعبارة السلطة؟ هل هو نظام للقيم او مؤسسة دينية؟ اي مصير للدولة المدنية، وهي المبنية على سيادة الشعب المعبّر عنها في القانون الوضعي، اذا ما اعتمد هذا الموقف القائل باخضاع الدولة الى سلطة معنوية اعلى؟ واي مصير لها ايضا اذا قامت طوائف او مذاهب اخرى، هي اصلا لا تقيم الفصل المبدئي مثل الكنيسة بين الديني والدنيوي، وطالبت لنفسها بسلطة معنوية اعلى من الدولة في شؤون السياسة والتشريع؟ 

 

3 -    لم تحدد الشرعة موقفا من ما يتضمنه مفهوم الدولة المدنية، لجهة احكام الدستور التي توجب في هذا الإطار الغاء الطائفية السياسية وانشاء مجلس الشيوخ، او حتى من امكانية اعتماد الدولة المدنية النظام المدني الإختياري للأحوال الشخصية مع الإبقاء على كافة الأنظمة الطائفية للأحوال الشخصية.

 

4 -    تضمنت الشرعة مواقف للكنيسة في مواضيع سياسية هي حاليا موضع مناقشة، وبعضها موضع خلاف بين السياسيين انفسهم، لا تتعلق بالمبادئ العامة وحسب، بل بتفاصيل كيفية ادارة الدولة، ومنها المواضيع التالية:

أ -    مفهوم "العمل على تحييد لبنان" الذي يحتاج الى توضيح اكثر مما ورد في الفقرة 24 – ب الممهدة والمفسرة للشرعة.

ب -    مفهوم ان تشترط الشرعة بالمرشح للنيابة في لبنان "ان يسعى الى تطوير [الصيغة] وصولا الى تأمين الحرية والإستقرار والإزدهار". 

ج -    مفهوم "ان يكون [المرشح] مؤمنا بالديمقراطية السليمة ويمارسها"، علما ان الشرعة اوضحت ان "الديمقراطية في لبنان (...) تعددية توافقية"، "كما تعتمد الاعتراف بالآخر وبوجود اكثرية واقلية تعملان وفقاً للاصول الديموقراطية وتداول القيادة السياسية. تكون الديموقراطية تنافسية ضمن الجماعة المتجانسة طائفياً، وتوافقية ضمن المجتمع الاوسع والمتنوع طائفياً، كما هي الحال في خصوصية لبنان".

 

بناء عليه، ما هو المعيار الذي يمكن استعماله لتحديد المواضيع الوطنية المبدئية التي يجوز للكنيسة ابراز موقفها السياسي بشأنه، ومستوى التفصيل المتعلق بهذه المبادئ او بغيرها من المواضيع السياسية التفصيلية التي لا يجوز للكنيسة اتخاذ موقف بشأنها؟.

 

ثانيا:    الشرعة بما تضمنته من قواعد آداب وسلوكيات سياسية

تبرز خصوصية واهمية الشرعة في جميع الأحكام الخاصة بالأخلاقيات والسلوكيات السياسية. فاذا كان العديد من الأحزاب والتيارات السياسية قد صاغ بيانات او شرعات ذات مضمون سياسي ووطني، فان هذه الشرعة الصادرة عن الكنيسة تنفرد بتضمنها عدد كبير من المبادئ الأخلاقية والسلوكية، بما يمكن ان يشكل شرعة اخلاقيات سياسية، اذا ما جمعت ونسقت المبادئ والأحكام من الفقرات والمواد العديدة التي تضمنتها. وكنت تنميت لو ان هذا القسم من الشرعة طور احكاما سلوكية وادبية اكثر بالنسبة لتعامل المرشحين مع بعضهم البعض في زمن الإنتخابات وحملاتها. 

وبالعودة الى الشرعة، يمكن ان نستخرج منها في موضوع الأخلاقيات والسلوكيات ابرز الأحكام التالية:

(المادة 5) "... يؤدي المسؤولون المدنيون هذه الواجبات [السياسية] بتجرد وشفافية وخلقية، بروح الخدمة المقرونة بالمناقبية والكفاءة والفعالية، بعيداً عن التسلّط والالتباس والفساد."

(المادة 6) "... وتمارس [السلطة السياسية] التنافس الديموقراطي من خلال برامج اقتصادية واجتماعية وانمائية تؤمن خير المواطنين، دونما صدام او تخوين."

(المادة 13): ينبغي ان تتصف ممارسة المسيحيين للسلطة السياسية بالميزات التالية:

تعاطي الشؤون الزمنية باستلهام ضميرهم المسيحي، والجمع بين موجبات العمل السياسي والمبادىء الاخلاقية، ووحدة الحياة بالتناغم بين الروحي والانساني.

 روح الخدمة المتجردة والسخية، المتصدّية للاغراءات والمناورات الخسيسة والكذب واختلاس اموال الدولة واستعمال اساليب غير شرعية وغير اخلاقية للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها والتوسع فيها باي ثمن.

ج- التحلّي بالقيم الانجيلية والانسانية ولاسيما بساطة العيش، والتفاني في سبيل الخير العام، والحب التفضيلي للفقراء، وروح الغيرة والتضحية.

د- التزام قضية السلام وجعله ثمرةً للعدالة ونتيجةً لانماء الشخص والمجتمع، وتوطيده  على اسس الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية، مع نبذ العنف والارهاب وعسكرة السياسة.

ه- المصالحة والغفران (...)

و- تعزيز الديموقراطية القائمة على الشريعة الاخلاقية المتأصلة في طبيعة الشخص البشري، وعلى اخضاع المصالح الخاصة والفئوية للصالح العام، وعلى ممارسة واجب المساءلة والمحاسبة تجاه المسؤولين المدنيين.

(المادة 26): في تحديد صفات المرشح الذي على الناخب ان يختاره "من هو الأصلح من حيث روح الخدمة المقرونة بالكفاءة والفعالية، والتحلي بالقيم الإنسانية والإنجيلية، والغيرة على الصالح العام والتجرد من المصالخ الشخصية والفئوية."

(المادة 30): يلتزم كل مرشح الروح الديمقراطية الأصيلة، فيقبل بنتائج الإنتخابات ويحترم ارادة الناخبين وحريتهم، ويبادر الى تهنئة الفائزين.

 

اما القيمة الإلزامية لهذه القواعد الأخلاقية، اسوة بسائر القواعد والمبادئ المعلنة في الشرعة، فهي ذات قيمة ادبية ومعنوية، تعليمية وتثقيفية. وقد اكتفت الشرعة، تبعا لقيمتها هذه بالتوضيح في الخاتمة "أن الكنيسة في لبنان تنشر هذه الشرعة لتنوير العقول وايقاظ الضمائر وتنقية النفوس، آملة من الجميع التقيد بها لتصويب ممارسة السياسة ...". 

 

نعتبر بانه على السياسيين والدولة اللبنانية المدنية تلقف هذه التجربة التي تطلقها الكنيسة، لتطور في القوانين والممارسة الوطنية الجامعة في لبنان نظام متكامل وفعال للأخلاقيات او السلوكييات السياسية، المبني على ثلاث مستويات: اولها: شرعة آداب سياسية للنواب والوزراء؛ ثانيها: قوانين تنفيذية تكافح ممارسات الفساد في الإدارة والسياسة وتقي منها؛ وثالثها: آليات تنفيذية، ادارية وقضائية وتأديبية تفعّل تنفيذ الأحكام الخاصة بهذا النظام المتكامل.

 

المستوى الأول: صياغة واعتماد شرعة آداب وطنية للأخلاقيات البرلمانية والوزارية

 

يمكن ان تبنى هذه المقاربة على تجربة لبنانية سابقة في اعتماد "شرعة سلوكية الموظف في القطاع العام" الصادرة عام 2002 عن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، والتي صادق عليها مجلس لوزراء. كما يمكن ان تبنى على تجارب مقارنة في العديد من الدول من القارات الخمس التي اعتمدت شرعات سلوكية للنواب والوزراء، وبشكل عام لمتولي الخدمة العامة. اما اكثر مبادئ الآداب السياسية شهرة وشيوعا، والتي اثرت في اعتماد انظمة مماثلة في العديد من الدول ابرزها استراليا وكندا، تلك التي أعدتها "لجنة معايير الحياة العامة"، التي أنشئت عام 1994 في المملكة المتحدة. وقد طورت هذه اللجنة مدونة سلوك خاصة بالنواب، أرتكزت على "المبادئ السبعة للحياة العامة" التي تلزم متولي الخدمة العامة، وهي التالية: 

1 - التفاني ، 2 – المصداقية، 3 – الموضوعية، 4 – المسؤولية، 5 – الانفتاح، 6 – الصدق، 7 - القيادة

وقد ورد في اصل الشرعة تفصيلا تطبيقيا لكل مبدأ من هذه المبادئ السبعة.

 

ويجدر التنويه بأن التجربة المقارنة دلت على اهمية مشاركة النواب انفسهم في صياغة القواعد السامية التي يفترض ان تحكم سلوكهم السياسي.

&n